تأتي إليك هذه المصادر بغطاء جيد على شكل متبرعين وتجار مسلمين لأنهم يعلمون أنك لن تتقبل أن يأتي الكافر مباشرةً كأن تأتي إليك المخابرات الأمريكية والغربية أو الروسية، فيأتي إليك هؤلاء المخبرين المسلمين الذين أشكالهم من أشكالنا وتطمأن لهم ويصلي معك، الآن أصبحوا في دورات المخابرات يدخلون الضباط في كليات الشريعة ويدرسونهم أصول الدين ويعلمونهم كل هذا الكلام حتى يتخرج وهو ضابط في المخابرات ولكن ملم بكل أصول الدين ويعرف أن يمثل لك دور المسلم فيجيد أن يستخدم هذه الطريقة بالذات.
فيدخل عليك ويقول هذه أموال بدون قيد أو شرط فأنت تأخذها وتتوسع بها، يكون عندك مجموعة حجمها صغير مصارفها صغيرة مواردها قليلة فلما جاءتك الأموال تتوسع؛ فبدل أن يكون لديك مئة عنصر تجعلهم ألف عنصر، فتُجَنِّد الناس وتأخذهم إلى مناطق المعسكرات وتتحمل مصارفهم، قبل هذه الأموال كان إذا أراد شخص أن يأتيك في المعسكر يجمع مال بنفسه ويأتي على حسابه ويتكلف المشقة ويجاهد بماله وبنفسه، أما الآن فأنت الآن ترسل إلى المهاجرين في تركيا وتقول من أراد أن يأتينا ندفع تكلفة الطائرة ونكفل أهله والمهم أن يأتينا، وتبدأ تأتي إليك مجموعة من الناس عاطلين عن العمل، ليس لديهم عمل، يأتونك لأنك تتحمل مصارفهم ولم يعد يأتيك الذي تكفل بنفسه وماله وعبر الحدود ودخل. فتُكَبِّر الغرفة وتُكَبِّر الفرش وتُحَسِّن الرواتب.
في الجهاد في أفغانستان كان يأتينا المجاهدون إلى بيشاور فنخرج في سيارة مكيفة إلى مطار إسلام أباد نأتي به إلى بيشاور، في بيشاور ينزل في مضافة محترمة، يغسل ثيابه يأكل ويشرب، ثم يضع أهله في المضافة، ثم يخرج إلى المعسكر يتدرب، ثم تأتي سيارة تأخذه إلى الجبهة، هذا جهاد خمس نجوم، جهاد مريض الهمة، جهاد مرفّه.
فالمهم بعد أن تتدفق عليك هذه الأموال وتتوسع وتعتاد عليها وتعتمد عليها تجد أن المال انتهى، وغالبًا هذا المال الذي يأتي هكذا تجد لا بركة فيه يُصرف بسرعة؛ لأنك أنت لا تتعب فيه، تعلم أنه كثير وسيأتي مال غيره، بعد ذلك يأتيك المتبرع يعطيك، ثم يأتيك فيقول لك عندنا إشكال انتظر قليلًا، وخلال هذا الوقت يبدأ يسألك أسئلة عن العمل فأنت تتحرج وتجيبه، ثم يتطور هذا شيئًا فشيئًا إلى أن يفرض عليك مواقف ويقول لك: تُحالف هذه الدولة وتُحالف هذا الحزب، واقبل العَلمانيين، وعندك حاجة لماذا لا تدخل مع العلمانيين القوميين لعل الله يهديهم (( ولأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم ) ) [1] فهو منافقٌ حافظٌ كل النصوص، فيدخل هؤلاء في الجماعة ثم يدخلون معك في القيادة شيئًا فشيئًا، ثم يقومون بصورة خفية بتصفية بعض القيادات الإسلامية ويفتحون المجال للقيادات العَلمانية، فما يشعر المجاهدون المسلمون إلا وقيادتهم عَلمانية.
هذا حصل في معظم الثورات التحررية، حصل في الجزائر وحصل في مصر وغيرها، كل الثورات التحريرية بدأت إسلامية وتأخذ شعار الجهاد وشعار الله أكبر ثم تحولت للعَلمانيين، وآخر النماذج التي عشناها ونعيشها وما زلنا نعيشها للأسف الجهاد الأفغاني، بدأ إسلامي صرف وانتهى بأن أصبح يُسَيَّر بالمخابرات السعودية والباكستانية لصالح المخابرات الغربية والأمريكية.
(1) صحيح البخاري: (3498)