كيف حصل هذا التحول؟ أن هؤلاء العلمانيون دخلوا في ضمن الفاعلين في الثورة، ثم أصبحوا أحلافًا، ثم برزت لهم شخصيات ثم لما عندهم من إعلام ولما لهم من دعم خارجي من جهات أجنبية أصبحوا في نظر الجماهير هم الشخصيات الأساسية، فلما حصل إسقاط الطاغوت قالوا نحن جهات كثيرة يجب أن نعمل انتخابات، فعندما تحصل انتخابات الذي عنده إعلام أكثر والذي عنده قدرة مالية وشراء الأصوات يربح، فيصبح المجاهد إما له القبر أو له السجن بعد الاستقلال. فيأخذونه إلى السجن جزاءً على الجهاد الذي جاهده. فهذا حصل في كل ثورات الاستقلال، وحصل في كل الحركات التي خرجت تحارب المستعمر، ولذلك يجب أن نسأل لماذا يحصل هذا الفشل؟ ... لأن عندنا انحراف شرعي عن المنهج الصحيح وعن حكم شرعي وهو أن المرتد لا يُعقَد معه حلف ولا يُعقَد له صلح ولا تؤخَذ منه الجزية وليس له إلا السيف.
فالحكم الشرعي أن دولة الإسلام إذا قامت في تركستان أو في غيرها أن هؤلاء العَلمانيون ليس لهم إلا خيارين إما أن يستتروا بكفرهم ويتحولوا إلى منافقين يعلنون الإسلام ويبطنون الكفر أو أن يعلنوا الكفر فيُقتلوا، ليس عندهم حل آخر، ولذلك قال الشيخ أحمد شاكر لما تكلم على الآية الكريمة {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} وعلى الآية الكريمة {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} قال عن هاتين الآيتين:"اتخذهما اللاعبون بالدين في هذا العصر -من العلماء وغيرهم- عدتهم في التضليل بالتأويل، ليواطئوا صنع الإفرنج في منهج النظام الدستوري الذي يزعمونه، والذي يخدعون الناس بتسميته «النظام الديمقراطي» [ ... ] والذين أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمشاورتهم ويأتسي به فيه من يلي الأمر من بعده هم الرجال الصالحون القائمون على حدود الله، المتقون لله، المقيموا الصلاة، المؤدوا الزكاة، المجاهدونَ في سبيل الله، الذين قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ) )، ليسوا هم الملحدين، ولا المحاربين لدين الله، ولا الفجّار الذين لا يتورعون عن منكر، ولا الذين يزعمون أن لهم أن يضعوا شرائع وقوانين تخالف دين الله، وتهدم شريعة الإسلام، هؤلاء و أولئك -من بين كافرٍ وفاسق- موضعهم الصحيح تحت السيف أو السوط، لا موضع الاستشارة وتبادل الآراء."
فسبب البلاء الذي ينزل من التحالفات أننا انحرفنا عن حكم الله الشرعي الذي لم يجعل للمرتد سبيلًا على المؤمنين، قال الله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [1] ، سبيلًا أي سلطة سياسية عليا، ومن هنا استنتج العلماء أن الكافر ليس له ولاية على المؤمن، وأن الله منع أن يكون له سبيل فليس له سبيل أبدًا، ولذلك المسلم لا يجوز له أن يعمل عند كافر إلا لضرورةٍ قاهرة لأنه إذا اشتغل عنده أصبح سيده وأصبح يخدمه، فكيف تأتي به والي أو قاضي ولذلك قال القاضي عيّاض أن العاصي وأن الكافر لا يولى ولا يكون قاضيًا فضلًا أن تعطيه الإمامة العظمى أو تعطيه الحكومة، هذا كله بوابته من التحالفات مع العلمانيين ومن الانحراف عن شرع الله لأنه هؤلاء الناس ليس بيننا وبينهم اتفاق، إما أن نكون قادرين عليهم فلهم السيف أو لسنا قادرين عليهم فيننا وبينهم العداء.
(1) النساء، 141