حومة الإبداع والاختراع، تسديدًا لواجبات القرايح، وتشييدًا لنظام الجماعة. وهناك الجميع يجرون إلى الامام، الجميع يحركون، الجميع يتسارعون، الجميع يشتغلون، الجميع متعاضدون سوية، منضمون إلى قوة واحدة، للركض إلى اقتحام كل المصاعب، والوصول إلى قمة الكمال والجمال. . . فكم سرور واندهاش للأعين إذا، عندما ترى هذه الأمة الفرنساوية تتموج على بعضها كقصعة واحدة، بدون نزاع في جزئياتها، ولا انقسام في كلياتها، سابحة في بحور الأمن والسلام، بدون خوف من واثب أجنبي أو حسود غادر) ونسى الخواجا فرنسيس سياسيًا في برلين اسمه بسمارك يتربص بفرنسا؛ ويرسل (أولان) بروسيا يقتحمون باريس بعد أربع سنوات من كلاعه عن (الواثب الأجنبي، والحسود الغادر) ، ويعقدون تاج الإمبراطورية الألمانية على رأس غليوم الأول في قصر فرساي. لذا واصل رحالتنا كلامه عن (عدم خوف الأمة الفرنساوية من وحش مفترس، أو جبار مختلس - بالذات! - رافلة بأذيال الحرية الكاملة) - في عهد الإمبراطور نابليون الثالث تلك الحرية الكاملة!
أما عن أنوار باريس - ويقينا باريس كانت جديرة باسم (مدينة النور) حتى في ذلك الوقت - فالخواجا يحدثنا عن (الأنوار الغازية المندفعة من أفواه ربوات أنابيبها تحت أشكال ألسن نارية تدعو باردي الروح إلى الدخول في كرة التمدن المتوقدة بلهيب الحكمة والآداب)
ورحالتنا الحلبي مدرك تمام الإدراك أن (كل هذا العجيب والكمال الغريب الذي رقت إليه هذه المدينة المعظمة) إنما هو نتيجة ارتقاء (العقل عندهم في طريق التقدم والنجاح، ولم يصعد العقل إلى القمة العالية إلا بدرج المدارس التي لا يفتر تشييدها، ولا يكف نظامها. فيوجد عندهم لكل قسم من العلوم مدرسة تحيط به وتجمع شمله جمعًا لا يقبل التفريق)
ثم هم(أقاموا في كل جانب من المدينة مكتبة عظيمة، معدة لقبول الجمهور مطلقًا. فيدخلون الناس إليها أفواجًا، ويقرءون ما يريدون، وينسخون ما يشتهون بكل راحة وهدوء بال. . .
ولما كان يوجد جانب كبير من العلوم يستلزم كونه عمليًا وعيانيًا بعد كونه نظريًا، فقد شادوا لذلك محلات مخصوصة يسمونها بالموزيوم، وأشحنوها من كل المواد الضرورية لدراسة موضوعها)وقد وجدها الخواجا فرنسيس مقسمة إلى ما يشتمل على (الاستحضارات التاريخية جيلًا فجيلًا، وأمة فأمة، إن يكن بالنظر إلى أعمال الأيدي، أو