زلنا قبل نصف الليل فلا بأس من حديث قصير) فتقول: (ولكنك تعبت في يومك. . . اشتغلت كثيرًا وكددت رأسك جدًا، فخير لك أن ترتاح وفي الصباح. . . قبل طلوع الشمس تكون قد استعدت نشاطك وانتعشت فنستطيع أن نتحدث كما تشاء. . . هذا فيما أعتقد خير لك) فأقول لها: (إنك يا نفسي طول عمرك رقيقة عطوف ولولا هذا لما رضيت أن أتخذك ولما طالت بيننا الصحبة إلى اليوم ولكن لماذا نرجئ إلى الغد كما يفعل التلميذ البليد) فتقول: (إن المدارس لا تعلم حكمة الحياة وليس صحيحًا أن على الإنسان أن يتقي إرجاء ما يمكن عمله وإنما الحكمة أن يرجئ إلى غد كل ما يمكن أن يرجئه مما يريد أو يجب أن يفعله اليوم، ولا سبيل إلى الراحة في الدنيا بغير ذلك وإلا صرنا كالآلات لا نستطيع أن ننعم بحياة أو أن نحس لها طعمًا وأصبحنا كالذي زعموا أن زوجته فتحت له دكانًا وأقامته فيه وحده ولم يكفها هذا فجعلت تكلفه أن يعمل كل ما يخطر لها فأصبح الرجل لا يعرف رأسه من رجليه فهو أبدًا رائح غاد يعمل في الدكان أو في البيت أو يجري في الطريق ليقضي حاجة مستعجلة فشكا إلى بعض إخوانه ما تجشمه زوجته من الجهد والكرب وما تحرمه من الراحة فسأله صديقه ولماذا لا تطلقها وتريح نفسك من هذا العناء كله؟ فكان رد المسكين:(وهل تركت لي وقتًا أن أطلقها فيه)
فضحكت فقالت نفسي: (إنك تضحك ولكن هذا حال من يقبل على العمل إقبالك ويعمل بما علموه في المدرسة من عدم إرجاء ما يمكن عمله)
وتظل نفسي تحاورني وتداورني على هذا النحو وبأمثال هذه السفسطة لتهرب من الحساب فيضيق صدري بها وأهم بزجرها بعنف لولا أن هذا لا يليق وأقول الحق إني أساعدها أحيانًا على الهرب لأني في تلك الأحيان أشعر بأن الحساب سيكون عسيرًا عليَّ أيضًا وإن الموازين ليست خفيفة عندي
وفي تلك الليلة قلت لها بلهجة رقيقة: (هل كان من الضروري جدًا لسعادتك أن تجري لساني بهذا الكلام الفارغ)
فسألتني: (أي كلام فارغ) فقلت: (إني حر كالهواء وإنه لا سلطان لأحد عليَّ وإني وإني إلى آخر ما أطلقت به لساني من الهراء)
فقالت متهربة: (إن هذه لهجة في خطاب النفس لا أظنها لائقة)