إلا أنه لشديد الأسف لم يبق الكثير من آثارهم فيه، وحتى الصور التي نقلت عن الأصول لا يمكن التأكد - غالبًا - من صحة نقلها، أو مطابقتها لما نقلت عنه
وعلى ذلك فالتصوير الإغريقي الذي يمكن اتخاذه مادة لتأريخه والوقوف على اتجاهاته ينحصر باستثناء قليل في التصوير المرسوم على أواني الزهر التي اتخذ منها الإغريق عالمًا كاملًا لتصوير مختلف شئون الحياة عندهم، وفي التصوير الزخرفي الذي جاء متأخرًا ومعاصرًا للرومان.
ولذلك كان معظم ما نعرفه عن المصور الإغريقي أو قل كل ما نعرفه عنه مأخوذ من المصادر المكتوبة.
وبالرغم من أن التصوير وصل في دقته إلى درجة مثيرة لكل إعجاب، فإنه لم يكن ليصل إلى درجة السمو والعظمة التي بلغها فن النحت الإغريقي الخالد، وهذا لا يمنع من ذكر بعض فنانين مصورين ارتفعوا بفنهم إلى درجة عالية لا يمكن إغفالها أو إهمالها إطلاقًا.
وإذا شئت فقل: إن الاختلاف الجوهري بين فن التصوير الإغريقي - على قدمه - وبين فن التصوير (الحديث) محصور في ناحية (الظل والنور) وناحية (التلوين)
أما من ناحية روح الفن والطابع المميز والطراز والموضوع الإنشائي وتقدير الجمال والوثوب إليه رغبة تسجيله؛ فإن مصورات الإغريق لم تكن لتقل نسبيًا عن أعمال الفنانين المحدثين.
فقد كان المصور الإغريقي قادرًا على تجسيم الرسوم وإعطائها شيئًا من الحياة، ولكنا لا نزال نكرر القول بأنه لم يصل للدرجة الهائلة التي وصل إليها النحات والمثال.
وظل التصوير إلى القرن الخامس قبل الميلاد بدائيًا بسيطًا، أي أنه سار في أول أمره بخطوات أبطأ بكثير من تلك التي سار بها فن النحت.
ولعل أول ما يمكن ذكره عنه هو أنه تطور في مدرسة أتيكا، تلك المدرسة التي أسسها في أثينا الفنان أول مصوري العالم بالمعنى الفني، والذي عمل بين سنة 475 وسنة 455 ق. م في أثينا.
والفنان في اعتبارنا لا يكون عظيمًا إلا إذا كان له طابع مميز واتجاه معين، مثله في ذلك مثل الموسيقي والشاعر والكاتب، وإلا ففي أي شيء آخر يمكن أن تظهر هذه العظمة؟