(القناطرة الخيرية)
محمد فتح الباب
إلى الأستاذ الكبير أ. ع
ذكر الأستاذ الكبير (أ. ع) في العدد 424 من الرسالة أن الكتاب والبلغاء يخطئون في استعمال كلمة (عَبْر) في نحو قول الصحف (ومن زمن قريب ادعت اليابان لنفسها حق مرور قواتها عَبْر شمال الهند الصينية) وقولها: (كلما فرغت مصانعنا من إخراج طائراتنا الضخمة أو جاءت إلى هنا عبر الأطلنطي) وقال إنها ترجمة خاطئة لكلمة إنجليزية ذكرها
وإن الكتاب جعلوها في نسج الكلام ظفرًا كما يصنع الإنجليز بكلمتهم فأخرجوها عن معناها ووضعها اللغوي بلا مسوغ مطلقًا.
قلت: قد جاءت هذه الكلمة في شعر إسلامي لسواد بن قارب الكاهن حين وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمًا
روى صاحب الجمهرة أن سوادًا قال لعمر بن الخطاب: إن نجيًا من الجن أتاه في ثلاث ليال متتابعة وبشره بظهور نبي يدعو إلى الحق. قال سواد: (فلما أصبحت يا أمير المؤمنين أرسلت لناقة من إبلي وأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت وبايعت وأنشأت أقول) :
أتاني نجّي بعد هدء ورقدة ... ولم يك فيما قد عهدت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمَّرت عن ذيلي الإزار وأرقلتْ ... بيَ الدعلبُ الوجناء عَبْر السباسب
(مقدمة جمهرة أشعار العرب ص26)
ومن ثم يرى الأستاذ الكبير أن الكلمة صحيحة كما يستعملها الكتاب على عهدنا.
ولو أننا أردنا تخريج الكلمة على وجه صحيح لوجدنا أكر من وجه خلافًا لما يقول الأستاذ، واقرب هذه الوجوه عندي أن تكون عَبْر مصدرًا مرادًا به اسم الفاعل فتكون حالًا مما قبلها ويكون التقدير (مرور قواتها عابرة شمال الهند الخ) و (أو جاءت إلى هنا عابرة الأطلنطي)
والمصدر يقع في موضع اسم الفاعل كما قال الله عز وجل: (إنْ أصبحَ ماؤكمُ غورًا) أي غائرًا، ويقال رجل عدل أي عادل ويوم غمُ أي غامُ، كما يقع اسم الفاعل في موضع