وقد كتب (واشنطون إيرفنج) عن بواعث محمد يقول:
(أكانت الثروة؟ لقد أفاد زواجه من خديجة الغنى، فظل سنوات قبل الوحي لا يبدي رغبة في زيادة ثروته. أم كان يطلب المنازل الملحوظة؟ لقد كانت منزلته عالية في قومه، وكان معروفًا بينهم بالفضل والأمانة، وكان من قريش ومن أكرم فرع فيها، وكانت سدانة الكعبة وما تفيده من العز والسلطان في أسرته منذ أجيال، وكان من حقه أن يتطلع إليها، فلما قام يحاول أن يهدم الدين الذي نشأ عليه قومه اقتلع جذور هذه المزايا جميعًا، فقد كانت ثروة أهله ومنزلتهم قائمتين على هذا الدين فهاجمه وجر على نفسه عداوة أهله وغضب مواطنيه وسخطهم جميعًا
ويمضي إيرفنج في تقصيه فيسأل: هل كان هناك في بداية سيرته النبوية ما يبعث الأمل أو يعوض هذه التضحيات؟ ويرد على ذلك فيقول: إن الأمر كان على النقيض، فقد بدأ محاذرًا متوخيًا الكتمان وظل سنوات غير موفق؛ وعلى قدر توسعه في بث دعوته، وإذاعة رسالته، كان يشتد ويعظم ما يلقي من العنت والسخرية والأذى والاضطهاد، واضطر بعض أهله وأنصاره أن يفروا إلى بلاد أخرى، واحتاج هو نفسه آخر الأمر أن يهاجر إلى بلد غير مكة، فلماذا كان يصر كل هذه السنوات الطويلات على (دجْل) يسلبه كل متاع الدنيا في سن لا تسمح بأن يبدأ المرء حياته مرة أخرى؟ فما قام بالدعوة إلا بعد الأربعين وقضى في مكة ثلاثة عشر عامًا، وكان تاجرًا حسن الحال فهاجر منها فقيرًا معدمًا، لا يعرف ما كتب الله له في غيبه من النصر، ولا يبغي أكثر من أن يبني مسجدًا يعبد فيه ربه، ولا يرجو إلا أن يعبد الله في سلام. ولما جاءه النصر لم يتكبر، ولم يتجبر، ولم يغتر، كما يفعل الذين ينشدون المآرب الشخصية والغايات الخاصة، فحافظ، وهو يف أوج قوته، على بساطته أيام ضعفه
وقد جاءه نصر الله بعد الهجرة، ولكن الأيام لم تجر كلها بالسعود في المدينة؛ وإذا كان قد انتصر كثيرًا فقد انهزم أحيانًا، فلا النصر أبطره، ولا الهزيمة أضعفت روحه أو فتت في عضده. ولعل القدرة على احتمال النصر أدل على العظمة من القدرة على احتمال الخيبة؛ ولكنه لم يكن من الهين على من احتمل مثله ثلاثة عشر عامًا من المتاعب أن يصبر على هزيمة جديدة. . . وكان عليه أن يضع للجماعة الإسلامية في المدينة النواميس والنظم في