الضاري، حتى إذا عَبرَ إليها وقف يستأنس متلفَّتًا يريد ما يختلج أو يتحرَّك، فما هو إلا أن يُهويِ إليه فيبطش به، أو ينشب فيه براثنه ينفضه ثم يقضقضُه حتى يهمد. وإذا خُلَّى السبع لا يُذَاد يُطْرد بقي يتأبَّد ويستوحش. ولا يزال على عادته يستمرئ كل ساعة فريسته يغمس في دمها أو يَلغ، ثم لا يطفُّ حتى تكفُّ الحياة عما ينبض أو يتنفس.
وأخذتْ أزورَّ له الأحاديث في نفسي. فلما هممت بها لم أقل إلا ما يقول الناس: عزاءك يا أبا محمد! فوالله كأنما بها الطير الجثوم، وظل وجه ابن أبي عتيق يروح الدم فيه ويغدو، وجعلت عيناه ترسلان على نظراتهما الدمعَ الذي لا يسفح، والعَتْب الذي لا يتكلم، وظلّ صامتًا، وراحت نفسي تنخزل عما أقدمت عليه، ولكنه لم يلبث أن زَفر إليَّ زفرةً خلت في نفثاتها شررًا يتطاير. ثم قعد يتململ حتى قال:
إن أيامي - يا أبا الخطاب - قد استحالت تيهًا أمشي فيه على مثل هذه الجَمَرات، ولقد كنتما عَهِدتُني، والأيام من حولي عُرْسٌ لا أعدم فيها ما أطربُ له. كَنت إذا ما حزن بعض أيامي، أجد من أفراح الماضي ما أهرب إليه بالذكرى، وأتوهَّم من نشوة الآتي ما أترامي إليه بالأمل، فكنت أعيش بفرحةٍ أحضرُها أو تحضرني لا أخاف ولا أجزع ولا أتوهم في الحياة إلا الخير. فأنا وقد أبت بغتات القدر إلا أن تنتزع منِ كفَّيَّ ما كنت أضنَّ عليه، فهيهات لها بعد اليوم أن تطيق انتزاعه من فكري. آه. . . آه يا عمر! كانت ملئ عيني وروحي وقلبي. كنت أعيش تحت نسيمها كالنشوان ذاهلًا عن الألم مهما أمضَّ، مستصغرًا للكبير وإن فَدحَ، راضيًا باسمًا متحفَّفًا. . . إذ كانت هي هي الأماني تتجدَّدْ مع أيامي علىّ علىَّ وتتبلّج مع كل فجر في قلبي، ما كنت جزوعًا ولقد جزعت! كيف قلت: عزاءً يا أبا محمد! ها الله يا أبن أبي ربيعه
كيف صبري عن بعض نفسي! وهل يصبِرَ عن بعض نفسه الإنسان؟
كانت بيني وبين الدنيا، وكانت آية الرفق والفرح، فكنت أرى الدنيا بعينها مشرقةً من تحت غياهب الأحداث، فالآن إذ نامت عني، كيف أرى إلا قِطعًا من الليل تغتالني من كل وجه، أو أشلاءً من الدياجي تجثم لي بكل سبيل؟
ثم رأيت في عينيه المَلل وهو يطوي على نظراته ما نشرتْهُ الحياة من همه النفس؛ وتخيلته - حتى كدت أتبينه - شبحًا ينساب في ظُلمة الليل فردًا قد انخلع من الحياة وأسبابها، فهو