يحب لنفسه). نعلم هذا كله لا نؤدي الزكاة، ولا نواسي المحتاج؛ ولا نرحم البائس الفقير؛ ونزعم مع ذلك أننا مؤمنون حقًا؛ وأننا بمنجاة من سخط الله وعذابه لأننا قائمون له بما يجب! ناسين أو متناسين ما رواه عبد الله بن عمر إذ يقول: (أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا؛ ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المثونة وجور السلطان عليهم؛ ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا؛ ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم؛ وما لم تحكم أئمتهم بما أنزل الله؛ ويتخيروا مما أنزل إليهم إلا جعل بأسهم بينهم) !
يمينًا بالله أنني أرى أنا نستحق الآن أن يعمنا الله بعذاب من عنده، لولا ما فينا من شيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع! لقد اجتمعت فينا هذه الخمس التي خافها الرسول على المؤمنين المهاجرين. فقد منعنا الزكاة والتمسنا لهذا الفتاوى الباطلة والتعلات الكاذبة! وظهرت الفاحشة فينا، بل جعلنا لها ولحمايتها اللوائح والقوانين! وفشا الغش والتدليس في المعاملة، وصار ذلك بابًا من المهارة يطلب أن يحذقه التاجر والصانع ومن إليهما! واستعرنا ما تتحاكم إليه من قوانين من فرنسا وغير فرنسا نابذين كتاب الله وما جاء به من شرائع ظهريًا! وصار الغني لا يملك باسًا في أن يسكن القصر ويملك الآلاف ويبيت يشكو البطنة والتخمة، وبجواره وحواليه المئات من إخوانه في الدين والوطن جياعًا معدمين! ومع هذا كله نزعم أننا بخير، وأن الدين لا يزال ثابت الدعائم مرعى السنن والآداب والأحكام!
بذلك الإهمال للدين، واطراح ما يأمر به الله من سنن وتشاريع، وبترك النصح للعامة والخاصة، صرنا في أمر مريج ولبس شديد، وصار المرام صعبًا، والمطلب وعرًا، والمسلك حزنًا. ولو أننا اتعظنا بالحادثات وراعينا صالح الدين والوطن قبل كل شيء وائتمرنا بما يأمر به الله وانتهينا بنهيه، لسهل الأمر وسلس، وصار قريب التناول، سهل المقاد!