فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 933

قال تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1] ، يا ربنا! لم نسبحك؟ ذكر سبحانه الحيثيات والأسباب لذلك: أول سبب: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} [الأعلى:2] ، فقد استدل سبحانه بخلقه على جلاله وقدرته سبحانه وتعالى.

وهذا سبيل الأنبياء كما قال الرازي رحمه الله، فطريقة أكابر الأنبياء: الاستدلال بالخلق على الله، كما قال إبراهيم عليه السلام: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء:77 - 80] ، وكما قال موسى عليه السلام لما سأله فرعون عن رب العالمين جل جلاله، فقال له موسى عليه السلام: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50] ، وهذه هي صفته سبحانه: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} ، سوى بين الخلائق في الإحكام والإتقان، فكما أن خلقة السماء محكمة متقنة متينة كذلك فإن أدنى حشرة من الحشرات محكمة.

والسبب الثاني: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى:3] .

{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49] ، {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب:38] ، فقد هدى بني آدم لما ينفعهم {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد:10] ، وهدى البهائم لمراتعها، فحتى البهائم والطيور تعرف ما ينفعها مما يضرها {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50] .

والسبب الثالث: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} [الأعلى:4] .

وهو الحشائش الرطبة التي ترعى فيها البهائم فتسمن وتبدن ويدر ضرعها بإذن ربها، {فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} [الأعلى:5] ، فبعد أن كان هذا المرعى رطبًا طيبًا يؤكل صار غثاء يابسًا هشيمًا يحمله السيل بزبده، وأحوى: أي أسود بعدما كان أخضر يانعًا خضرته تسر الناظرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت