قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [البينة:7] .
أي: هم خير خلق الله، وهذه الآية استدل بها من يقول: إن المؤمنين أفضل من الملائكة، وهذه المسألة من فضول المسائل التي لا يتعلق بالبحث فيها عمل.
قال تعالى: {جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة:8] .
قوله: (( جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ ) )الله عز وجل يسمي الجنة دار السلام، ويسميها جنات النعيم، ويسميها جنات عدن، وعدن أي: إقامة، ومنه سمي المعدن معدنًا؛ لأنه مستقر، يقال: عدن فلان إذا أقام واستقر، فقوله: (( جنات عدن ) )أي: جنات إقامة أبدية لا يخرجون منها، ولا ينامون ولا يموتون ولا يسقمون ولا يهرمون.
(( جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ) )الأنهار أربعة أنواع قال تعالى: {أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} [محمد:15] خمر ليس فيها صداع، ولا مرض، ولا نتن، ولا غول، يقول ابن كثير: ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل.
أما خمر الدنيا ففيها صداع الرأس، ومغص البطن، ونتن الريح، وقبح الفعل.
إذًا: خمر الجنة ليس فيها شيء من ذلك، قال عز وجل: {وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} [محمد:15] ، وهذه الأنهار تجري من تحتهم في غير أخدود، يقول الشيخ الصواف رحمه الله في تفسيره: كأن الله عز وجل يجزيهم من جنس عملهم، فأعمالهم كانت في الدنيا جارية ما داموا أحياء، فجعل الله أنهارهم في الجنة جارية من غير انقطاع، والجزاء من جنس العمل.
{خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ} [البينة:8] أي: رضي الله عنهم بأعمالهم، {وَرَضُوا عَنْهُ} [البينة:8] أي: لما دخلوا الجنة واستقروا فيها رضوا عن الله سبحانه كرضاهم عن الله في الدنيا كما قال أبو قلابة رحمه الله: رضاك عن الله أن تتلقى أوامره من غير ضجر.
جاء في الحديث: (إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله عز وجل لهم -نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم-: يا أهل الجنة! هل رضيتم؟ يقولون: يا ربنا وما لنا لا نرضى؟! ألم تثقل موازيننا؟ ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تجرنا من النار؟ فيقول الله عز وجل: إني جعلت جزاءكم أن أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا) .
رضوان ليس بعده سخط، ذلك الجزاء الذي مضى لمن كان في الدنيا خائفًا، وعاش مقيدًا بالأوامر والنواهي.
إن هذه السورة فيها جواب عن شبهة كبيرة تروج في هذا الزمان: وهي قضية وحدة الأديان، لكن لعل هذه القضية نعرض لها بالتفصيل إن شاء الله عند تفسير سورة الكافرون.