فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 933

افتتحت هذه السورة بفعل الأمر (قل) ، وعندنا في القرآن خمس سور افتتحت بـ (قل) وهي: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} [الجن:1] ، و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون:1] ، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1] ، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق:1] ، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس:1] .

قوله سبحانه: (قل) : هذا الأمر مشعر بالاهتمام بما بعد القول، وأن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بتبليغه للناس بوجه خاص، وبتبليغ الدين كله بوجه عام قال الله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة:67] ، فالدين كله هو مأمور بتبليغه صلوات الله وسلامه عليه، لكن هذا أمر لابد من العناية به تمام العناية، فقال: (قل -أي: يا محمد-: يا أيها الكافرون) ، أي: يا عاص، ووليد، وأسود، وأمية، {لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} [الكافرون:2] .

يقول العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله: وفي الإتيان بهذا الوصف القبيح تحقير لهم، واستخفاف بشأنهم، وإشعار بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهابهم؛ لأنه محفوظ من ربه، فما قال: يا أيها الناس، وما قال: يا من عرفتم هذا العرض، لا، بل: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون:1] ، يا من كفرتم بالله، يا من جحدتم بالنبوة، يا من كذبتم بالبعث والمعاد، يا من اتصفتم بالكفر ماضيًا وحاضرًا {لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} [الكافرون:2] ، أي: لا أعبد ما تعبدون من آلهة باطلة، وأصنام لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع ولا تغني عني شيئًا.

{وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} [الكافرون:3] أي: ولا أنتم -أيها المشركون- تعبدون الإله الحق الجليل العظيم الذي أعبده، و (ما) هنا بمعنى من، وهي مثل قول الله عز وجل: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس:5] أي: والسماء ومن بناها، وقول الله عز وجل: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ} [الليل:1 - 3] أي: ومَن خلق الذكر والأنثى.

ويرى ابن القيم رحمه الله بأنه جيء بـ (ما) ههنا؛ لأن المقصود الصفة وليس الذات، كما في قول الله عز وجل: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} [النساء:3] فالمعنى: من طاب لكم من النساء، لكن لما كان الأمر منصبًا على وصف الطيب جيء بـ (ما) ، وهكذا ههنا المشركون يعبدون إلهًا لكن لا يعرفون صفاته جل جلاله وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ينبغي أن يفرد بالعبادة وحده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت