الطهارة تنقسم إلى طهارة ظاهرة وطهارة باطنة، فالظاهرة: تشمل تطهير البدن والمكان والثوب، والباطنة تشمل تطهير القلب بالإيمان واجتناب الشرك، والإنسان إذا لم يطهر باطنه أولًا فلا فائدة له من طهارة الظاهر.
فالنوع الأول من الطهارة: طهارة الباطن، أو الطهارة المعنوية أو الأصلية.
وعدم طهارة الباطن قد يطلق عليها: نجاسة، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:28] ، وقد يطلق عليها: مرض، كما في قوله: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) [الأحزاب:32] .
وأمراض القلوب هي عبارة عن نجاسة معنوية، وهي تتدرج وتتفاوت، فمن أمراض القلوب الشرك، والشرك هو: أن تصرف شيئًا من العبادة لغير الله، أو أن تحب شيئًا من الأشياء كحب الله، أو تعتقد في أحد غير الله أنه يملك لك الضر أو النفع.
وهذا الشرك، إن لم يطهر الإنسان منه قلبه، فيا خسارته! قال الله عز وجل: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة:72] .
{وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج:31] .
ومن أمراض القلوب أيضًا: الرياء، وهو: أن يعمل العبد العمل لا يريد به وجه الله، أو أنه يريد به وجه الله وغيره، فهذا هو: الرياء.
ومن أمراض القلوب كذلك: الحسد، وهو: تمني زوال النعمة عن الغير.
فهذه فالطهارة الباطنة نسميها الطهارة المعنوية، أو الطهارة الأصلية، وهي أهم من طهارة البدن، بل لا يمكن أن تقوم طهارة البدن مع وجود نجس الشرك، قال تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة:28] ، فلو أن إنسانًا سجد للصنم، أو للبشر، ثم بعد ذلك تطهر بأحسن صابون ووضع أطيب العطور، ولبس أحسن الثياب فهو نجس؛ لأن نجاسة القلب لا تغني عنها طهارة البدن.
والنوع الثاني: طهارة ظاهرة: وتسمى الطهارة الحسية، أو الطهارة الفرعية، وهي: ارتفاع الحدث، وزوال الخبث مثلًا: إنسان يصيبه الحدث، والحدث هو: وصف حكميٌ يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة.
فلو أن إنسانًا خرج منه ريح، فهذا نسميه حدثًا، أو خرج منه مذي نسميه حدثًا كذلك، ولو كان الحدث الأكبر: مثل خروج المني، فهو حدث أيضًا، فالطهارة الفرعية هي: ارتفاع الحدث وزوال الخبث، والمقصود به: النجاسة، وهي الأشياء التي حكمت الشريعة بأنها نجسة وسيأتي تفصيلها، مثل بول الآدمي ورجيعه، والدم المسفوح والعذرة لما لا يؤكل لحمه، كعذرة الحمار أو الكلب، فهذه كلها نسميها: أعيان نجسة، فكلمة نجس تعادل كلمة خبث.
فالطهارة الظاهرة هي ارتفاع الحدث، وزوال الخبث.
قلنا: وزوال الخبث، ولم نقل: وإزالة الخبث؛ لأنه قد يزول بنفسه، مثلًا: لو جاء كلب -أكرمكم الله- فبال في أرض المسجد، ثم أنزل الله عز وجل من السماء ماء طهورًا، فغسل تلك النجاسة وأزالها المطر دون أن نعمل في إزالتها؛ ولذلك نقول: الطهارة هي ارتفاع الحدث وزوال الخبث.
إذًا: فالطهارة لغة: النظافة.
وهي نوعان: الأول: طهارة باطنة.
الثاني: طهارة ظاهرة.
والطهارتان مطلوبتان، فلا يقول أحد: أنا قلبي نظيف، فلماذا أتوضأ؟! قال صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ) ، ولو كان قلبه أطهر القلوب.