سورة الفيل سورة مكية فيها خمس آيات، وثلاث وثلاثون كلمة، وثلاثة وتسعون حرفًا.
وهذه السورة المباركة تحكي قصة معروفة منقولة بالتواتر قد عرفها العرب كلهم أجمعون، وهذه القصة مفادها أن ذا نواس الملك الحميري تهود، فعمد إلى تهويد الناس بالقوة، وقتل خلقًا كُثر من النصارى كانوا بقيادة رجل صالح يقال له عبد الله بن التامر، وهم الذين حكى الله خبرهم في سورة البروج: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ} [البروج:4 - 6] الآيات.
فتسلط النجاشي ملك الحبشة على بلاد اليمن، أرسل جيشًا إلى بلاد اليمن بقيادة رجل يقال له أرياط، ثم نازعه رجل يقال له: أبرهة الأشرم، فدانت بلاد اليمن لهذا الرجل، ثم لما حكم بلاد اليمن رأى أن أهل اليمن في موسم معين يذهبون جماعات جماعات، ويخرجون على حالة معينة وهيئة خاصة، فسأل: أين يريدون؟ وأين يذهبون؟ فقيل له: إنهم يحجون بيتًا في مكة يعظمونه، ويطوفون به، ويقبلون أركانه، ويصلون عنده، فقال لهم: ومن أي شيء بني؟ قالوا: من الحجارة، قال: وبأي شيء كسي؟ قالوا: بهذه الوصائل -الوصائل ثياب يمانية مخططة-، فقال: سأبني خيرًا منه، وهذه عادة الطواغيت، فالطواغيت المعاصرون الذين يحكمون بلاد المسلمين كل واحد منهم يبني مسجدًا، وتتحدث وكالات الأنباء والجرائد المسبحة بحمده بأن هذا المسجد سعته سعة المسجد الحرام، فبعضهم بنى مسجدًا في البحر، فيصلي الإنسان والسمك أمامه، وما يدري ما يصلي.
فـ أبرهة لما كان طاغوتًا خبيثًا بنفس المنطق، ظن أن تعظيم البيت راجع للحجارة وإلى الكساء، فبنى كنيسة عظيمة تفنن فيها وحسنها وجملها وزخرفها وسماها القِلّيس أو القُلَّيس، وكتب إلى النجاشي كتابًا قال فيه: أيها الملك! إني ابتنيت لك بيتًا ما سمع الناس بمثله، ولست بمنته حتى أصرف حج العرب إليه، ولن تطيب نفسي إلا إذا تحول العرب من مكة إلى هذه الكنيسة التي في صنعاء.
والعرب كانوا ذوي عصبية لدينهم الباطل، وقد ورثوا تعظيم البيت من دين الخليل إبراهيم عليه السلام، وهو من الحق القليل الذي بقي بأيديهم، فسمع واحد من بني كنانة بما قال هذا المسكين، فرد عليه ردًا عمليًا، فجاء إلى هذه الكنيسة وتغوط فيها ثم حمل من النجاسة ولطخ جدرانها، وبعض الروايات تذكر بأن جماعة من العرب جاءوا فأوقدوا نيرانًا، وصنعوا طعامًا، فحملت الريح تلك النيران فأحرقت تلك الكنيسة، والله أعلم أي ذلك كان.
فلما سمع أبرهة بذلك استشاض غضبًا، وعزم على أن يسير جيشًا عظيمًا لهدم الكعبة المشرفة زادها الله شرفًا، وظن أن الأمر يعود إلى القوة المادية وإلى الأمر الظاهر، فذهب إلى هناك، فتعرض له من أشراف العرب رجل يقال له: ذو نفر، وكان من ملوك اليمن فهُزِم، فلما مر ببلاد خثعم تعرض له رجل يقال له نفيل بن حبيب الخثعمي، وأراد أن يقاوم جيش أبرهة فهزم وأخذ أسيرًا، وأراد أبرهة قتله فقال له نفيل: لا تقتلني وأنا دليلك، فاستبقاه، ثم استمر سائرًا إلى أن وصل إلى الطائف وإلى بلاد ثقيف، فخرج له مسعود بن معقب، وكان سيد ثقيف، وقال له: أيها الملك! هذا بيتنا، وكان عندهم صنم يقال له اللات، وأما البيت الذي تريده فهو بمكة، وسنبعث معك هذا الرجل أبا رغال يكون لك دليلًا يدلك على البيت، فلما كان ببعض الطريق قتله الله عز وجل فهلك، فرجمت العرب قبره.
وما أكثر الرغالات في حكام المسلمين، أبو رغال هو دليل الأمريكان الآن ما أكثره في بلاد المسلمين! واستمر أبرهة ماشيًا إلى أن وصل إلى مشارف مكة، فأغار على سرح كان فيه إبل لـ عبد المطلب بن هاشم، ثم بعد ذلك بعث مندوبًا إليه، فجاء عبد المطلب وكان رجلًا قسيمًا وسيمًا عظيمًا، عليه مهابة وجلالة ووقار، فكره أبرهة أن يجلسه على الأرض ويجلس هو على سرير الملك، وكره أن يجلس عبد المطلب إلى جواره، فنزل وجلس إليه، وقال له: أنا جئت لهدم هذا البيت، فإن خليتم بيني وبينه فلا حاجة لي في دمائكم، فقال عبد المطلب: أيها الملك! إن لي إبلًا قد أخذتموها، فردوها إلي، أما البيت فله رب يحميه.
فصارت هذه الكلمة مثلًا، واستنكر أبرهة فقال له: لقد أعجبتني حين رأيتك، لكنك الآن لست بذاك المكان، تترك بيتًا هو دينك ودين آبائك وأجدادك، وتحدثني في شأن إبلك! فقال له عبد المطلب: أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه، فأمر بأن تعاد إليه الإبل.
وعبد المطلب كان رجلًا عاقلًا راجحًا، وأمر أهل مكة أن يصعدوا إلى الجبال وأن يتركوا مكة ويخلوها، وكأنه كان يرى لفراسته بأن أمرًا ما سيحدث، ثم ذهب عبد المطلب ومعه بعض كبار قريش، فأخذ بحلقة باب البيت وقال: اللهم إن العبد يمنع رحله فامنع رحالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدوًا محالك إن تركتهم وقبـ لتنا فأمر ما بدا لك إلى آخر ما قال، ثم خرجوا.
ولما تمكن من أبرهة الغرور، ووجد أنه لا مقاومة، وليس هناك من يعترض سبيله، أمر بتسيير الجيش لإنفاذ ما يريد، فكانوا إذا وجهوا الفيل قبل مكة، برك وأبى، وإذا وجهوه قبل اليمن أو قبل المشرق أو قبل المغرب حيثما وجهوه فإنه يمضي ويركض، وهذا ثابت في الحديث الصحيح لما بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وقال الصحابة: (خلأت القصواء، فقال: ما خلأت وما هو لها بخلق، لكن حبسها حابس الفيل) .
فبعد ذلك تدخل الله عز وجل بقدرته التي لا مثيل لها في الوقت المناسب، فأرسل طيرًا أبابيل، قالت عائشة: كالخطاطيف.
وقال بعضهم: كالوطواط، وقال سعيد بن جبير: كانت طيرًا لم ير قبلها ولا بعدها مثلها.
وكانت مخصوصة مع كل طائر ثلاثة أحجار حجر في منقاره، وحجران في رجليه، وكانت هذه الحجارة تنزل على رأس الرجل من الأحباش فتخرق رأسه، ثم تخرج من دبره فتخلص إلى الفيل فتقتله، وكانت الطيور عجيبة تصيب المقاتل، وأصابت بعضهم في جسده، قال ابن عباس: فكان الواحد منهم إذا أصيب نفط جلده -أَيْ: انتفخ-، وكان ذلك أول ظهور الجدري من تلك الحادثة، والله أعلم.
وقالت عائشة: لقد رأيت سائس الفيل وقائده أعميين بمكة يتكففان الناس.
وقال أبو صالح: رأيت تلك الحجارة في بيت أم هانئ بنت أبي طالب -كأنهم جمعوا تلك الحجارة من أجل أن تكون دليلًا- رأيتها حجارة صغارًا سودًا فيها خطوط حمراء.
وهذا صنيع الله عز وجل بمن تكبر وتجبر، وسنة الله أن يهلك المتجبر بأضعف خلقه، فمثلًا النمرود الذي قال: أنا أحيي وأميت، أهلكه الله بحشرة البعوضة، وكذلك يأجوج ومأجوج الذين يقولون: فرغنا من أهل الأرض وعلونا أهل السماء، أرسل الله عليهم النغف وهي دود في أنوفهم فتتركهم فرسى.