وقد صحّح ابن الجزري المذهبين، لكنه رجّح الإخفاء، فقال وهو يتحدث عن أحكام الميم: «الثاني الإخفاء عند الباء، على ما اختاره الحافظ أبو عمرو الداني وغيره من المحققين، وذلك مذهب أبي بكر بن مجاهد وغيره، وهو الذي عليه أهل الأداء بمصر والشام والأندلس وسائر البلاد الغربية، وذلك نحو:
يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ورَبَّهُمْ بِهِمْ، أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ.
وقد ذهب جماعة كأبي الحسين أحمد بن المنادي وغيره إلى إظهارها عندها إظهارا تاما، وهو اختيار مكي القيسي وغيره. وهو الذي عليه أهل الأداء بالعراق وسائر البلاد الشرقية، وحكى أحمد بن يعقوب التائب إجماع القراء عليه.
قلت (ابن الجزري) : الوجهان صحيحان، مأخوذ بهما، إلا أن الإخفاء أولى»، وقال المرادي: «القول بالبيان أشهر وعليه الأكثر» «1» .
ولا يتضح الفرق بين نطق الميم بالإظهار في مثل: ما لَهُمْ بِهِ، ونطقها بالإخفاء، لأن كلا من الميم والباء تنطبق الشفتان عند النطق بهما، إلا أنهما تنفرجان مع الباء ولا تنفرجان مع الميم لأن النّفس يجري في الخياشيم. فإذا وقعت الميم ساكنة قبل الباء فإن انطباق الشفتين يستمر عند النطق بالميم ثم عند نطق الباء، حيث ينتهي بانفراجها لتحقيق شدة الباء. وقد تنبه إلى هذا من قبل والد ابن الباذش حيث قال في كتابه الإقناع: «قال لي أبي، رضي الله عنه:
«المعوّل عليه إظهار الميم عند الفاء والواو والباء، ولا يتجه إخفاؤها عندهن إلا بأن يزال مخرجها من الشفة، ويبقى مخرجها من الخيشوم، كما يفعل ذلك في النون المخفاة، وإنما ذكر سيبويه الإخفاء في النون دون الميم، ولا ينبغي أن أن تحمل الميم على النون في هذا، لأن النون هي الداخلة على الميم في البدل في قولهم: شنباء وعنبر وصُمٌّ بُكْمٌ، فحمل الميم عليها غير متجه، لأن للنون تصرّفا ليس للميم، ألا ترى أنها تدغم ويدغم فيها، والميم يدغم فيها ولا تدغم، إلا أن يريد القائلون بالإخفاء انطباق الشفتين على الحرفين انطباقا واحدا، فذلك
(1) المفيد ص 135.