ممكن في الباء وحدها في نحو: أكرم بزيد. فأما الفاء والواو فغير ممكن فيهما الإخفاء إلا بإزالة مخرج الميم من الشفتين، وقد تقدم امتناع ذلك، فإن أرادوا بالإخفاء أن يكون الإظهار رفيقا غير عنيف فقد اتفقوا على المعنى، واختلفوا في تسميته إظهارا أو إخفاء، ولا تأثير لذلك، وأما الإدغام المحض فلا وجه له» «1» .
وقد وجدت للمرعشي كلاما دقيقا في التفريق بين إظهار الميم الساكنة قبل الباء وإخفائها، يتلخص في أن انطباق الشفتين في الإظهار أقوى من انطباقهما في الإخفاء. ويقول: «ولو تلفظت بإظهار الميم هنا لكان زمان انطباقهما فيه كزمان انطباقهما في الباء لإخفاء الغنة حينئذ، وتقوّي انطباقهما في إظهار الميم فوق انطباقهما في إخفائه لكن دون قوة انطباقهما في الباء، إذ لا غنة في الباء أصلا بخلاف الميم الظاهرة، فإنها لا تخلو عن أصل الغنة، وإن كانت خفية، والغنة تورث للاعتماد ضعفا» «2» .
والمأخوذ به في زماننا عند أهل الأداء في حكم الميم الساكنة قبل الباء هو الإخفاء، وهو المنصوص عليه في الكتب المؤلفة في علم التجويد في عصرنا، ويسميه بعضهم الإخفاء الشفوي «3» ، لكنهم مختلفون في النطق به، فمنهم من يطبق شفتيه عند النطق بالصوتين، ومنهم من يجافي بينهما «4» . وهو ما نعرضه في المبحث الآتي، إن شاء الله تعالى.
(1) الإقناع 1/ 181 - 182.
(2) جهد المقل 31 و.
(3) ينظر: كمال الدين الطائي: رسالة في قواعد التلاوة ص 84، وفرج توفيق الوليد: قواعد التلاوة وعلم التجويد ص 94.
(4) نقل الداني في التحديد (ص 119) عن ابن مجاهد أنه قال: «وغنة الميم والنون عند الباء تشتبه، ولا يكاد من لا يعرف أن يفرق بينهما في قوله تعالى مَنْ أَنْبَأَكَ هذا وقوله كُنْتُمْ بِهِ ونحوها في اللفظ» ولم أجد من المؤلفين من نصّ على الفرق، لكني وجدت القرطبي (الموضح ص 175) يقول: «فلا يوجد فرق في اللفظ بين قوله أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ... وبين قوله أُنَبِّئُكُمْ، سواء كان ما قبل الباء نونا أو ميما، لا فرق بينهما، كله في اللفظ سواء» . وينظر أيضا: الدمياطي: إتحاف ص 32.