علم التجويد، على ما فيه من إيجاز وغموض وتناقض، فقولهم: «أول من دوّن فيه قيل: أبو مزاحم الخاقاني، وقيل: موسى بن عبيد الله المقرئ البغدادي ... »
دليل على غموض نشأة هذا العلم لدى المعاصرين، لأن أبا مزاحم هو موسى بن عبيد الله! وإذا كان علم المحدثين في هذا الموضوع قد انتهى عند حد القول بأن أبا مزاحم الخاقاني هو أول من دوّن علم التجويد أو أفرده بالتأليف، وهو ما سبق إلى ذكره ابن الجزري «1» ، فإن وراء ذلك قضايا تحتاج إلى بيان، فمن هو أبو مزاحم الخاقاني؟ وما كتابه الذي دوّن فيه هذا العلم؟ وأين ذهب ذلك الكتاب؟
ولماذا تأخر تدوين هذا العلم إلى عصر الخاقاني؟ وما هي علاقة علم التجويد بالدراسات الصوتية عند علماء العربية المتقدمين؟ هذه قضايا لا زالت بحاجة إلى بيان وتوضيح.
وكذلك فإن من دوافع هذا البحث هو أن في تتبع الأصول التاريخية لعلم التجويد والبحث عن مصادره الأولى القديمة فائدة جليلة، هي ما يمكن أن يسفر عنه هذا النوع من الدراسة من مادة علمية مخبوءة، ومن مصادر قيمة منسية، يمكن أن تفيد الباحثين في دراسة الأصوات العربية، وتفيد الناطقين في تصحيح نطقهم وتقويم ألسنتهم.
وإلى جانب هذا كله فإن الكشف عن بداية تدوين علم التجويد، ومعرفة المؤلفات المتقدمة فيه يعتبر بحد ذاته عملا علميا يستحق- قبل غيره- من الدارسين المهتمين بهذا النوع من البحث المتصل بالنشاط اللغوي، كلّ جهد.
وسوف أحاول بحث ما أشرت إليه من قضايا بنشأة علم التجويد من خلال هذه المباحث الخمسة:
(1) انظر: غاية النهاية 2/ 321.