والملاحظ أنّ الصفدى ناقض نفسه في هذا التعريف، في موضعين.
الأول: أنّه اعتبر المعنى المجازى لا يدخل اللفظ في مفهوم المشترك، ومع ذلك يعلق على قول جرير [1] :
إذا نزل السّماء بأرض قوم ... رعيناه، وإن كانوا غضابا
فيقول: «السماء يستعمل للمطر والنبات فاستخدم أحد مفهوميه، في قوله «نزل» يعنى المطر، ومفهومه الآخر، في قوله «رعيناه» يعنى: النبات، وهذا وإن كان حقيقة في الأول مجازا في الثانى إلا أنّه كثر استعمال مجازه، واشتهر فصار حقيقة عرفية، فأمكن اعتبار الاشتراك فيه» [2] .
ويبدو أنّ الصفدى يأخذ هنا برأى الإمام الشافعى، فقد جوّز استعمال اللفظ في حقيقتيه، وفى حقيقته ومجازه، وحمله عند الإطلاق عليهما، وأخرج ابن الرفعة نصه على ذلك من الأم [3] .
الثانى: اعتبر الصلاة هنا ليست من المشترك، وفرّق بين معناها الحقيقى، والمجازى، وفى موضع آخر من الفصل استدل بوقوع المشترك في القرآن الكريم بكلمة الصلاة، في قوله تعالى: {إِنَّ اللََّهَ وَمَلََائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [4] ، فالصلاة من الله مغفرة، ومن غيره استغفار، فاستعمل لفظ الصلاة في معنيين متباينين، وهو من المشترك.
وقد شغلت كلمة «الصلاة» العلماء، وكثرت فيها أقوالهم وتناقضت، قال النووى: «أصل الصلاة، في اللغة: الدعاء، هذا قول جمهور العلماء، من أهل
(1) أبو حزرة، جرير بن عطية، الخطفى، الكلبى، اليربوعى (11028هـ) من فحول شعراء الإسلام، ولد ومات في اليمامة، كان أبوه شاعرا ومن أبنائه وحفدته شعراء، انظر: التمييز والفصل 2/ 803، شرح العينى 1/ 91، وشرح أبيات المغنى 1/ 53، ومواسم الأدب 1/ 98، وأعلام تميم 167، والأعلام 2/ 119، ومعجم المؤلفين 3/ 129.
(2) فض الختام 180، وانظر معاهد التنصيص 2/ 262.
(3) انظر: الإبهاج في شرح المنهاج 1/ 257.
(4) سورة الأحزاب 33: 56.