صحابة ديوان الإنشاء الشريف عوضا عن ابن الأثير [1] ، ورأى ذلك قال: «هذا ما هو مليح، وكتابة الذهب بلا تزميك كالعيون بلا جفون» فاستقرت القاعدة على ذلك، وكان هذا من لطف ذوقه وحسن بصيرته.
وقد كتب القاضى الفاضل رحمه الله تعالى على رسالة كتبها موفق الدين خالد بن القيسرانى رحمه الله تعالى [2] بالذهب وزمّك ذلك، وهذا الذى كتبه القاضى الفاضل كلام ما سمحت بمثله قريحة، ولا جادت به سجيّة منيحة، وكيف وكل فكرة بعده بمثله شحيحة؟، وقد جاء منه في ذكر الذهب وتزميكه، فقال: «ولا يحسب إلّا أنّ الخط تحسّب بيدها [3] ، فتحرّت له أثواب الحداد، وجلت عرائس حروفه مضمّخة الأجساد بالجساد [4] ، وأطلعت إنسان عين الإحسان بدليل كونه لم يلمح إلّا في سواد، وكيف لا يفصّل [5] جوهرها بأن يفضّل [6] ؟
وكيف لا تقابل حروفها بأن تقبّل؟ وقد كتب الناس باليد وكتبت بالعين، وحصّل الناس من هذه الصناعة بعد حرب حنين على خفى حنين، وفازت بما أظهرت من ثروتها للنظار بالنّضار، وصحت لها الكيمياء لأنها كتبت بشطر دينار سطرا واحدا بألف دينار [7] .
(1) على بن أحد بن سعيد، علاء الدين، ابن الأثير، الحلبى (730680هـ) كاتب السر في الديوان الشريف، كان مشهورا بالذكاء، وله وجاهة، انظر: المختصر في أخبار البشر 4/ 100، وذيول العبر 4/ 88، وتذكرة النبيه 2/ 200، ودرة الأسلاك 263، والبداية والنهاية 14/ 149 والدرر الكامنة 3/ 14، والنجوم الزاهرة 9/ 283.
(2) أبو البقاء، خالد بن محمد بن نصر، موفق الدين، ابن القيسرانى، القرشى، المخزومى (ت 588هـ) وزير من أعيان الكتاب، انظر: بغية الطلب 7/ 3096، والعبر 3/ 97، والوافى بالوفيات 13/ 282، والمقفى الكبير 3/ 740، والأعلام 2/ 298.
(3) تحسّب: توسّد، والمحسبة: الوسادة من الأدم. انظر: اللسان «حسب» 1/ 316.
(4) الجساد: الزعفران، وذكر السرى الرفاء في كتابه «المحب والمحبوب» عشرة أسماء للزعفران، راجع: التعليقات والنوادر 3/ 1070، والمخصص 11/ 209، والمحب والمحبوب 2/ 184، واللسان «جسد» 3/ 121.
(5) فصّل النظم، وعقد مفصّل: أى جعل بين كل لؤلؤتين خرزة. انظر: اللسان «فصل» 11/ 521.
(6) التفضّل: التوشّح، وأن يخالف اللابس بين أطراف ثوبه على عاتقه. انظر: اللسان «فضل» 11/ 526.
(7) تراجع هذه الرسالة في مطلع الفوائد ومجمع الفرائد، لابن نباتة 416، ونصرة الثائر 94، والمقفى الكبير 3/ 744وسمّاها المقريزى «الرسالة الذهبية» .