* * * قال: فلمّا قرّت شقشقة الهادر، ولم يبق إلّا صدر الصّادر، برز فتى يميس، وما معه أنيس، فرأيتها عضلة تلعب بالعقول، وتغري بالدّخول في الفضول، فانطلقت في أثر الغلام، لأخبر فحوى الكلام، فلم يزل يسعى سعي العفاريت، وينفقّد نضائد الحوانيت، حتّى انتهى عند الرّواح، إلى حجارة القدّاح. فناول بائعها رغيفا، وتناول منه حجرا لطيفا. فعجبت من فطانة المرسل والمرسل، وعلمت أنّها
سروجية وإن لم أسأل، وما كذّبت أن بادرت إلى الخان منطلق العنان لأنظر كنه فهمي، وهل قرطس في التّكهّن سهمي فإذا أنا في الفراسة قارس، وأبو زيد بوصيد الخان جالس. فتهادينا بشرى الالتقاء، وتقارضنا تحية الأصدقاء.
* * * قرّت: سكنت. الهادر: الفحل. وشقشقته: ما يخرج من لهاته. وتقدّمت في الأولى، ويزعمون أنها لا توجد عند نحر الفحل، وكذلك بيضه لا يوجد، قال: وأنشد بشر بن المعتمر: [السريع]
خصيته تطلّ من حظمه ... عند حدوث الذّبح والنّحر
ما إن يرى الراؤون من بعدها ... شقشقة مائلة الهدر
وأراد به: سكت المتكلّم. صدر الصادر: خروج الخارج من الماء بعد شربه. برز:
خرج. يميس: يتبختر ويتثنى. عضلة: داهية وأمر صعب. تغري: تحرّض وتلصق.
فحوى: معنى. يسعي: يجري. العفاريت: شرّ الشياطين وأدهاها. نضائد: ما جعل شيئا على شيء. الرّواح: العشيّ. القدّاح: حجر الزند تقدح النار منه. ناول: أعطى. لطيفا:
دقيقا. فطانة: ذكاء. وما كذّبت، أي ما خيّبت. منطلق العنان: مسيّب حيث شاء. كنه:
حقيقة. قرطس: أصاب الغرض مرة بعد أخرى، والقرطاس يجعل غرضا، فإذا توالى ضربه قيل: قرطس. والتكهن: الحديث بما يكون. والفراسة: النظر بالظّن. وصيد الخان: فناء الفندق، وقيل بابه، من أوصدت الباب، أغلقته، وقيل: عتبة بابه. تهادينا:
أهديته وأهداني. البشرى: السرور، أي فرح كل واحد منا بصاحبه. فتهادينا البشرى:
تقارضنا: اندفعنا بالسّلام، يريد حالة الصديقين إذا التقيا بعد سفر، فيبالغ كلّ واحد منهما في سلام صاحبه ويتابعه. والتحية: السلام، ومنه التحيات لله، ومنه قوله تعالى: {وَإِذََا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهََا} [النساء: 86] ، أي سلّم عليكم. وقيل: التحية:
الملك، وكان الملك يحيّا بأنعم صباحا، وأبيت اللعن، وقيل: معناه البقاء لله، وقال زهير بن جناب: [الكامل]
من كلّ ما نال الفتي قد نلته ... إلا التحية من إله قادر
أي البقاء.
ثمّ قال: ما الّذي نابك، حتّى زايلت جنابك؟ فقلت: دهر هاض، وجور فاض. فقال: والّذي أنزل المطر من الغمام، وأخرج الثّمر من الأكمام لقد فسد الزّمان، وعمّ العدوان، وعدم المعوان، والله المستعان فكيف أفلتّ، وعلى أيّ وصفيك أجفلت! فقلت: اتخذت اللّيل قميصا، وأدلجت فيه خميصا. فأطرق
ينكت في الأرض، ويفكّر في ارتياد القرض والفرض. ثمّ اهتزّ هزّة من أكثبه قنص، أو بدت له فرص، وقال: قد علق بقلبي أن تصاهر من يأسو جراحك، ويريش جناحك، فقلت: وكيف أجمع بين غلّ وقلّ، ومن الّذي يرغب في ضلّ ابن ضلّ! فقال: أنا المشير بك وإليك، والوكيل لك وعليك، مع أنّ دين القوم جبر الكسير، وفكّ الأسير، واحترام العشير، واستنصاح المشير إلّا أنهم لو خطب إليهم إبراهيم بن أدهم، أو جبلة بن الأيهم لما زوّجوه إلّا على خمسمائة درهم، اقتداء بما مهر الرسول صلّى الله عليه وسلم زوجاته، وعقد به أنكحة بناته على أنّك لن تطالب بصداق، ولا تلجأ إلى طلاق. ثمّ إنّي سأخطب في موقف عقدك، ومجمع حشدك، خطبة لم تفتق رتق سمع، ولا خطب بمثلها في جمع.