ثمّ قال: ما الّذي نابك، حتّى زايلت جنابك؟ فقلت: دهر هاض، وجور فاض. فقال: والّذي أنزل المطر من الغمام، وأخرج الثّمر من الأكمام لقد فسد الزّمان، وعمّ العدوان، وعدم المعوان، والله المستعان فكيف أفلتّ، وعلى أيّ وصفيك أجفلت! فقلت: اتخذت اللّيل قميصا، وأدلجت فيه خميصا. فأطرق
ينكت في الأرض، ويفكّر في ارتياد القرض والفرض. ثمّ اهتزّ هزّة من أكثبه قنص، أو بدت له فرص، وقال: قد علق بقلبي أن تصاهر من يأسو جراحك، ويريش جناحك، فقلت: وكيف أجمع بين غلّ وقلّ، ومن الّذي يرغب في ضلّ ابن ضلّ! فقال: أنا المشير بك وإليك، والوكيل لك وعليك، مع أنّ دين القوم جبر الكسير، وفكّ الأسير، واحترام العشير، واستنصاح المشير إلّا أنهم لو خطب إليهم إبراهيم بن أدهم، أو جبلة بن الأيهم لما زوّجوه إلّا على خمسمائة درهم، اقتداء بما مهر الرسول صلّى الله عليه وسلم زوجاته، وعقد به أنكحة بناته على أنّك لن تطالب بصداق، ولا تلجأ إلى طلاق. ثمّ إنّي سأخطب في موقف عقدك، ومجمع حشدك، خطبة لم تفتق رتق سمع، ولا خطب بمثلها في جمع.
* * * نابك: نزل بك. جنابك: بلدك وناحيتك، والجناب: فناء الدار. هاض: كسر.
فاض: كثر. الغمام: السحاب. والثمر: الثمار. وأكمامها: ما يكون فيها ثمرها، وكل ما وارى شيئا فهو كمام له وكمّ. عمّ: شمل. العدوان: الفساد. المعوان: ما يستعان به.
وقال الشاعر: [الكامل]
لله درّ أبيك أيّ زمان ... أصبحت فيه وأيّ أهل زمان
كلّ يدانيك المحبة جاهلا ... يعطي ويأخذ منك بالميزان
فإذا رأى رجحان حبّة خردل ... مالت مودّته مع الرجحان
وقال ابن لنكك: [المنسرح]
نحن مع الدهر في أعاجيب ... فنسأل الله صبر أيوب
أقفرت الأرض من محاسنها ... فابك عليها بكاء يعقوب
وصفيك: حاليك من الخير والشرّ، وهي حالة السفر. أجفلت: هربت مسرعا، والإجفال: الهروب، ثم قال: مشيت في ظلام الليل، فصار لي كالقميص. ادّلجت:
مشيت في السحر. خميصا: جائعا. أطرق: أمال رأسه ساكنا. ينكت: يخطّ في الأرض.
ارتياد: طلب. الفرض من العطية ما فرضت على نفسك عطاءه، على ألا تجازى عليه.
والقرض: ما أعطي من غير فرض.
قال الحريريّ: القرض بالقاف: ما يستعاد عوضه، والفرض بالفاء: ما لا عوض فيه، وأنشد في الدرّة لأبي عبد الله النّمريّ يرثي أبا عبد الله الأزديّ: [الوافر]
مضى الأزديّ والنّمريّ يمضي ... وبعض الشّكل مقرون ببعض
أخي والمجتني ثمرات ودّي ... وإن لم يجزني قرضي وبرضي
وكانت بيننا أبدا هنات ... توفّر عرضه فيها وعرضي
وما هانت رجال الأزد بعدي ... وإن لم تدن أرضهم من ارضي
الهنات: كناية عن المنكرات، فأراد أنه أمال رأسه إلى الأرض مفكرا، وجعل يخط فيها بيده أو بعود، وهو فعل المهموم الكثير الفكر، كما قال امرؤ القيس: [الطويل]