تفضيل الذكر بكونه رجلا على الأنثى، وأن الفضل في الآخرة لرجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وأن من ألهاه غير الله تعالى عن الله تعالى فهو من الإناث لا من الرجال تحقيقا، فيخشى أن يحجب أو يؤخر في نعيم الآخرة كما أخرت الأنثى في أموال الدنيا، فأمثال هذا قد يحرك الوجد ولكن لمن فيه وصفان (أحدهما) حالة غالبة مستغرقة قاهرة (والآخر) تفطن بليغ وتيقظ بالغ كامل للتنبيه بالأمور القريبة على المعاني البعيدة وذلك مما يعز، فلأجل ذلك يفزع إلى الغناء الذي هو ألفاظ مناسبة للأحوال حتى يتسارع هيجانها، وروي أن أبا الحسين النوري كان مع جماعة في دعوى فجرى بينهم مسألة في العلم وأبو الحسين ساكت ثم رفع رأسه وأنشدهم:
رب ورقاء هتوف في الضحى ... ذات شجو صدحت في فنن
ذكرت إلفا ودهرا صالحا ... وبكت حزنا فهاجت حزني
فبكائي ربما أرقها ... وبكاها ربما أرقني
ولقد تشكو فما أفهمها ... ولقد أشكو فما تفهمني
غير أني بالجوى أعرفها ... وهي أيضا بالجوى تعرفني
قال فما بقي أحد من القوم إلا قام وتواجد، ولم يحصل لهم هذا الوجد من العلم الذي خاضوا فيه وإن كان العلم جدا وحقا.