الوجه الثاني: أن القرآن محفوظ للأكثرين ومتكرر على الأسماع والقلوب، وكلما سمع أولا عظم أثره في القلوب، وفي الكرة الثانية يضعف أثره، وفي الثالثة يكاد يسقط أثره، ولو كلف صاحب الوجد الغالب أن يحضر وجده على بيت واحد على الدوام في مرات متقاربة في الزمان، في يوم أو أسبوع لم يمكنه ذلك، ولو أبدل ببيت آخر لتجدد له أثر في قلبه وإن كان معربا عن عين ذلك المعنى، ولكن كون النظم واللفظ غريبا بالإضافة إلى الأولى يحرك النفس وإن كان المعنى واحدا، وليس يقدر القارئ على أن يقرأ قرآنا غريبا في كل وقت ودعوة فإن القرآن محصور لا يمكن الزيادة عليه، وكله محفوظ متكرر وإلى ما ذكرناه أشار الصديق رضي الله عنه حيث رأى الأعراب يقدمون فيسمعون القرآن ويبكون فقال: كنا كما كنتم ولكن قست قلوبنا. ولا تظنن أن قلب الصديق رضي الله عنه كان أقسى من قلوب الأجلاف من العرب، وأنه كان أخلى عن حب الله تعالى وحب كلامه من قلوبهم، ولكن التكرار على قلبه اقتضى المرون عليه وقلة التأثر به لما حصل له من الأنس بكثرة استماعه، إذ محال في العادات أن يسمع السامع آية لم يسمعها قبل فيبكي، ثم يدوم على بكائه عليها عشرين سنة، ثم يرددها ويبكي، ولا يفارق الأول الآخر إلا في كونه غريبا جديدا، ولكل جديد لذة ولكل طارئ صدمة، ومع كل مألوف أنس يناقض الصدمة، ولذا هم عمر رضي الله عنه أن يمنع الناس من كثرة الطواف وقال: قد خشيت أن يتهاون الناس بهذا البيت. أي يأنسوا به، ومن قدم حاجا فرأى البيت أولا بكى وزعق وربما غشي عليه إذ وقع عليه بصره، وقد يقيم بمكة شهرا ولا يحس من ذلك في نفسه بأثر، فإذا المغني يقدر على الأبيات الغريبة في كل وقت ولا يقدر في كل وقت على آية غريبة.