فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 395

أو بلفظ هذا معناه، وذلك جائز مع الشعر دون القرآن، ولذلك لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت الربيع بنت معوذ وعندها جوار، فسمع إحداهن تقول: وفينا نبي يعلم ما في غد، على وجه الغناء، فقال صلى الله عليه وسلم:"دعي هذا وقولي ما كنت تقولين" [1] ، وهذه شهادة بالنبوة فزجرها عنها وردها إلى الغناء الذي هو لهو، لأن هذا جد محض فلا يقرن بصورة اللهو، فإذا يتعذر بسببه تقوية الأسباب التي بها يصير السماع محركا للقلب فواجب في الاحترام العدول إلى الغناء عن القرآن كما وجب على تلك الجارية العدول عن شهادة النبوة إلى الغناء.

الوجه السادس: أن المغني قد يغني ببيت لا يوافق حال السامع فيكرهه وينهاه عنه ويستدعي غيره، فليس كل كلام موافقا لكل حال، فلو اجتمعوا في الدعوات على القارئ فربما يقرأ آية لا توافق حالهم إذ القرآن شفاء للناس كلهم على اختلاف الأحوال، فآيات الرحمة شفاء الخائف، وآيات العذاب شفاء المغرور الآمن، وتفصيل ذلك مما يطول، فإذا لا يؤمن ألا يوافق المقروء الحال وتكرهه النفس فيتعرض به لخطر كراهة كلام الله تعالى من حيث لا يجد سبيلا إلى دفعه، فالاحتراز عن خطر ذلك حزم بالغ وحتم واجب إذ لا يجد الخلاص عنه إلا بتنزيله على وفق حاله، ولا يجوز تنزيل كلام الله تعالى إلا على ما أراد الله تعالى، وأما قول الشاعر فيجوز تنزيله على غير مراده، ففيه خطر الكراهة أو خطر التأويل الخطأ لموافقة الحال، فيجب توقير كلام الله وصيانته عن ذلك، وهذا ما ينقدح في علل انصراف الشيوخ إلى سماع الغناء عن سماع القرآن.

(1) رواه أحمد (6/359 و360) ، البخاري (9/253/5147) ، أبو داود (5/220-221/4922) ، الترمذي (3/399/1090) ، النسائي في الكبرى (3/332/5563) وابن ماجة (1/611/1897) عن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت