وهاهنا وجه سابع ذكره أبو نصر السراج الطوسي في الاعتذار عن ذلك فقال: القرآن كلام الله وصفة من صفاته وهو حق لا تطيقه البشرية لأنه غير مخلوق فلا تطيقه الصفات المخلوقة. ولو كشف للقلوب ذرة من معناه وهيبته لتصدعت ودهشت وتحيرت، والألحان الطيبة مناسبة للطباع ونسبتها نسبة الحظوظ لا نسبة الحقوق، والشعر نسبته نسبة الحظوظ، فإذا علقت الألحان والأصوات بما في الأبيات من الإشارات واللطائف شاكل بعضها بعضا كان أقرب إلى الحظوظ وأخف على القلوب لمشاكلة المخلوق المخلوق، فما دامت البشرية باقية ونحن بصفاتنا وحظوظنا نتنعم بالنغمات الشجية والأصوات الطيبة، فانبساطنا لمشاهدة بقاء هذه الحظوظ إلى القصائد أولى من انبساطنا إلى كلام الله تعالى الذي هو صفته وكلامه الذي منه بدأ وإليه يعود، وهذا حاصل المقصود من كلامه واعتذاره، وقد حكي عن أبي الحسن الدراج أنه قال: قصدت يوسف بن الحسين الرازي من بغداد للزيارة والسلام عليه، فلما دخلت الري كنت أسأل عنه فكل من سألته عنه قال، ايش تعمل بذلك الزنديق؟ فضيقوا صدري حتى عزمت على الانصراف، ثم قلت في نفسي: قد جبت هذا الطريق كله فلا أقل من أن أراه، فلم أزل أسأل عنه حتى دخلت عليه في مسجد وهو قاعد في المحراب وبين يديه رجل وبيده مصحف وهو يقرأ، فإذا هو شيخ بهي حسن الوجه واللحية، فسلمت عليه فأقبل علي وقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من بغداد، فقال وما الذي جاء بك؟ فقلت: قصدتك للسلام عليك، فقال: لو أن في بعض هذه البلدان قال لك إنسان أقم عندنا حتى نشتري لك دارا أو جارية أكان يقعدك ذلك عن المجيء؟ فقلت: ما امتحنني الله بشيء من ذلك ولو امتحنني ما كنت أدري كيف أكون ؟ ثم قال لي: أتحسن أن تقول شيئا؟ فقلت: نعم، فقال: هات، فأنشأت أقول:
رأيتك تبني دائما في قطيعتي ... ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني
كأني بكم والليت أفضل قولكم ... ألا ليتنا كنا إذ الليت لا يغني