لا طيب يعدل تربا ضم أعظمه ... طوبى لمنتشق منه وملتثم
أقول: ما هذا الكلام؟ فمتى كان تقبيل التراب واستنشاقه من القربات، فهذا الفعل هو عمل المشركين الذين يعظمون الأحجار والأشجار ويعتقدون نفعها وضرها، وكيف وأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يقول في الحجر الأسود: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك، [1] فعمر رضي الله عنه يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الفعل ويعلم أن تقبيل الأحجار والأشجار والتراب هو من فعل المشركين الذين يعتقدون فيها نفعا أو ضرا، فهذا من البوصيري الغلو المنهي عنه فمتى كان حب رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقبيل التراب واستنشاقه، فلو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يفعل ذلك لاستتابه. قال البوصيري:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
أقول: وأين ذهب رب العالمين؟ ومتى كان النبي صلى الله عليه وسلم محل لياذة في غيابه، فلو قال البوصيري:
يا خالق الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
لكان مصيبا ومحقا، ولكن غلوه أوقعه في الشرك الصريح، فإذا لم يكن هذا شركا، فما في الدنيا شرك أبدا، فهذا الكلام لا يجوز أن يقال إلا في خالق الخلق، أما مخلوقون وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوصفهم بهذا الوصف شرك لا مرية فيه.
قال البوصيري:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
(1) رواه أحمد (1/ 16 و 26) ، البخاري (3/ 589/1597) ، مسلم (2/ 925/1270) ، أبو داود (2/ 438 - 439/ 1873) ، الترمذي (3/ 214 - 215/ 860) ، النسائي (5/ 250/2937) وابن ماجة (2/ 981/2943) .