إن التصوف كان نقمة على المسلمين طيلة تاريخه، فبالإضافة إلى أنه شتت شملهم وبدد وحدتهم، وشوه سمعتهم، فإنه أقعدهم عن أهم فريضة جاء بها الإسلام، ألا وهي فريضة الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاستعداد الكامل بجميع القوى التي يمكن أن يكتسبها المسلمون، فأمرهم بالانزواء والخلوات والأذكار والأكاذيب، وجعل من أسس منهاجه الجوع والعطش والهيام في البراري والقفار، والذهاب إلى الخرب، وستأتي على ذلك أمثلة إن شاء الله. وجعلهم يعيشون على الأماني الكاذبة التي لا أصل لها لا في عقل ولا دين، وأصبح المتصوف همه الوحيد أن تكشف له الحجب، وأن تشرق له الأنوار، وأن يسمع الأحاديث من وراء حجاب، وأن يصل إلى ما وصل إليه شيخه من الأسرار الباطنية، بل يتمنى أن يصل إلى مرتبة رفع التكاليف الشرعية، فلا صلاة ولا صيام، ولا حلال ولا حرام.
المسألة الرابعة:
كتب الكثيرون عن الغزالي وشخصيته ومؤلفاته، المستشرقون والمسلمون وكل واحد درس الغزالي على حسب تكوينه وعقيدته، فمنهم من حلله ودرسه من المنظار الفلسفي، ومنهم من درسه من المنظار الكلامي، ومنهم من درسه من المنظار الصوفي، وإنه شيخ الصوفية الذي قعد مذهبهم. وأما الدراسة من المنظار السلفي، فلم أر فيها إلا مواقف القدامى، ومنهم الذهبي الذي سننقل كلامه فيما بعد إن شاء الله، ودراسة جادة بعنوان أبو حامد الغزالي والتصوف للأستاذ عبد الرحمن دمشقية [1] هذا من جهة.
(1) وقد طبع الكتاب في دار طيبة للنشر، وهو كتاب مفيد جدا، وقد استفدت منه الكثير.