وأما الحنفاء أهل ملة إبراهيم الخليل الذي جعله الله للناس إماما وأهل دين الإسلام، لا يقبل الله من أحد دينا غيره، المتبعون لشريعة خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم تسليما، فهؤلاء ليس منهم من يرغب في ذلك ولا يدعو إليه، وهؤلاء هم أهل القرآن والإيمان والهدى والرشاد والسعد والفلاح وأهل المعرفة والعلم واليقين والإخلاص لله والحب له والتوكل عليه والخشية منه والإنابة إليه، ولكن قد حضره أقوام من أهل الإرادة وممن له نصيب في المحبة لما فيه من التحريك لهم ولم يعلموا غائلته ولا عرفوا مغبته كما أدخل قوم من الفقهاء أهل الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في أنواع من كلام الفلاسفة المخالف لدين الإسلام ظنا منهم أنه حق موافق، ولم يعلموا غائلته ولا عرفوا مغبته، فإن القيام بحقائق الدين علما وقولا وعملا وذوقا وخبرة لا يستقل به أكثر الناس ولكن الدليل الجامع هو الاعتصام بالكتاب والسنة، فإن الله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وقد قال تعالى: الْيَوْمَ {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [1] وقال تعالى: وَأَنَّ {هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [2] ، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال:"هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"ثم قرأ: وَأَنَّ {هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} . [3]
(1) المائدة الآية (3) .
(2) الأنعام الآية (153) .
(3) تقدم تخريجه (ص.63) .