وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع من كلامه في السماع: وأما أبو حنيفة ومالك والثوري ونحوهم، فهم أعظم كراهة وإنكارا لذلك من الشافعي وأحمد. وقال في موضع آخر: ولم يحضره مثل إبراهيم بن أدهم ولا الفضيل بن عياض ولا معروف الكرخي ولا السري السقطي ولا أبو سليمان الداراني ولا مثل الشيخ عبد القادر والشيخ عدي والشيخ أبي البيان والشيخ حياة وغيرهم، بل في كلام طائفة من هؤلاء مثل الشيخ عبد القادر وغيره النهي عنه، وكذلك أعيان المشايخ، وقد حضره من المشايخ جماعة وشرطوا المكان والإمكان والخلان والشيخ الذي يحرس من الشيطان وأكثر الذين حضروه من المشايخ الموثوق بهم رجعوا عنه في آخر عمرهم كالجنيد، فإنه كان يحضره وهو شاب وتركه في آخر عمره وكان يقول: من تكلف السماع فتن به، ومن صادف السماع استراح به، فقد ذم من يجتمع له ورخص فيمن يصادفه من غير قصد ولا اعتماد للجلوس له، وسبب ذلك أنه مجمل ليس فيه تفصيل، فإن الأبيات المتضمنة لذكر الحب والوصل والهجر والقطيعة والشوق والصبر على العذل واللوم ونحو ذلك هو قول مجمل يشترك فيه محب الرحمن ومحب الأوثان، ومحب الصلبان ومحب الإخوان ومحب الأوطان، ومحب النسوان ومحب الصبيان، فقد يكون فيه منفعة إذا هيج القاطن أثار الساكن وكان ذلك مما يحبه الله ورسوله، لكن تكون فيه مضرة راجحة على نفعه كما في الخمر والميسر، فإن فيهما إثما كبيرا ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما، فلهذا لم تأت به الشريعة، فإن الشريعة لم تأت إلا بالمصلحة الخالصة أو الراجحة، وأما ما تكون مفسدته غالبة على مصلحته فهو بمنزلة من يأخذ درهما بدينار أو يسرق خمسة دراهم يتصدق منها بدرهمين وذلك أنه يهيج الوجد المشترك فيثير من النفس كوامن تضره آثارها ويغذي النفس ويفتنها به فتعتاض به عن سماع القرآن حتى لا يبقى فيها محبة لسماع القرآن ولا يلتذ به ولا يستطيبه، بل قد يبقى في النفس بغض لذلك واستثقال به كمن يستثقل نفسه بتعلم