فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 395

فإن قيل قام الدليل على تحريم هذا ولم يقم على تحريم السماع قيل هذا الآن استدلال آخر على الاستدلال على إباحته لأهل الجنة فعلم أن استدلالك بإباحته لأهل الجنة استدلال باطل، وقولك لم يقم دليل على تحريم السماع، فيقال أي السماعات تعني وأي المسموعات تريد فإن منهما المحرم والمكروه والمباح والواجب والمستحب، فعين نوعا يقع الكلام فيه نفيا وإثباتا. فإن قلت سماع القصائد ما مدح الله به ورسوله وكتابه وهجي به أعداؤه، فهذه لم يزل المسلمون يروونها ويسمعونها ويدرسونها وهي التي سمعها الرسول وأصحابه، وأثاب عليها وحرض حسان عليها، وهي التي غرت أصحاب السماع الشيطاني فقالوا تلك قصائد ويكفي هذا، والسنة كلام والبدعة كلام والتسبيح كلام والغيبة كلام ولكن هل سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه سماعكم هذا المشتمل على قريب من مائة مفسدة، ونظير هذا ما استدلوا به على أن الرسول استحسن الصوت الحسن وأذن فيه كما تقدم من حديث أبي موسى الأشعري وغيره، فنقلوا هذا الاستحسان إلى صوت النسوان والمردان وغيرهم بالغناء المقرون بالدفوف بالصنوج والشبابات والأوتار وغير ذلك من المعازف، وذكر القدود والثغور والنهود والخصور ووصف فواتر العيون وسوادها وسواد الشعور ومحاسن الشباب وحمرة الخدود وذكر الوصل والصد والتجني والهجران والعتاب والاستعطاف والاشتياق والقلق والفراق وما أشبه ذلك مما هو أفسد للقلب من سكر الخمر وأي نسبة لسكر يوم ونحوه إلى سكرة العشق التي لا يستفيق صاحبها إلا في عسكر الهالكين أسيرا قتيلا حزينا وهل تقاس سكرة الشراب إلى سكرة الأرواح بالسماع فإن نازع منازع في سكر السماع وتأثيره في العقول والأرواح خرجوا عن الذوق والحس فظهرت مكابرة القوم فكيف يحمي الطبيب المريض عما يشوش عليه صحته ويبيح له ما فيه أعظم السقم والكلام مع من وجد لا من فقد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت