وأعجب من هذا من استدل على إباحة السماع المركب من الهيئة الاجتماعية اجتماع البنتين الصغيرتين وهما دون البلوغ عند امرأة صبية في يوم عيد وفرح بأبيات للعرب في وصف الشجاعة والحروب ومكارم الأخلاق والشيم، فأين هذا من هذا والعجب أن هذا من أكبر الحجج عليهم، فإن الصديق سمى ذلك مزمار الشيطان وأقره على هذه التسمية مرخصا فيه لجويريتين غير مكلفتين ولا مفسدة في إنشاده ولا في استماعه، أفيدل هذا على إباحة ما يفعلونه من السماع اليوم؟ وأعجب من هذا كله الاستدلال على إباحته بما سمعه الرسول من الحدو المشتمل على الحق والتوحيد، وهل حرم أحد مطلق الشعر وقوله واستماعه، وأعجب استدلالهم بإباحته على إباحة أصوات الطيور اللذيذة، وهل هذا إلا من جنس قياس الذين قالوا إنما البيع مثل الربا وأين أصوات الطيور إلى نغمات النسوان والمردان والأوتار والعيدان والغناء منهن بما يحدو الأرواح والقلوب إلى مواصلة كل محبوبة ومحبوب، وأين الفتنة بمن هو من جنسك إلى الفتنة بصوت القمري والبلبل والهزار والشحرور ونحوها، وأعجب من هذا من قال أنه من أنكره فقد أنكر على كذا كذا ولي لله، فحجة عامية، نعم ينكر أولياء الله على أولياء الله، فقد أنكر عليهم من أولياء الله من هو أكثر منهم عددا وأعظم عند الله وعند المؤمنين، وقد تقاتل أولياء الله في صفين بالسيوف ولما سار بعضهم إلى بعض كان يقال سار أهل الجنة إلى الجنة، وكون ولي الله يرتكب المكروه أو المحظور متأولا أو عاصيا لا يمنع ذلك الإنكار عليه ولا يخرجه عن أصل ولايته لله، وهيهات هيهات أن يكون أحد من أولياء الله المتقدمين حضر هذا السماع المحدث المشتمل على هذه الهيئة التي تفتن القلوب أعظم فتنة.