فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 395

فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الذي أنبتته الأرض الطيبة، وهو الذي تميزت به هذه الطبقة عن الطبقة الثانية، وهي التي حفظت النصوص فكان همها حفظها وضبطها، فوردها الناس وتلقوها بالقبول، واستنبطوا منها واستخرجوا كنوزها واتجروا فيها، وبذروها في أرض قابلة للزرع والنبات، ورووها كل بحسبه، قَدْ { عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ } . [1]

وهؤلاء الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم:"نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه وليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" [2] . وهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن، مقدار ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم لا يبلغ نحو العشرين حديثا الذي يقول فيه:"سمعت ورأيت"وسمع الكثير من الصحابة، وبورك له في فهمه والاستنباط منه حتى ملأ الدنيا علما وفقها، قال أبو محمد بن حزم: وجمعت فتواه في سبعة أسفار كبار وهي بحسب ما بلغ جامعها، وإلا فعلم ابن عباس كالبحر وفقهه واستنباطه وفهمه في القرآن بالموضع الذي فاق به الناس، وقد سمعوا ما سمع وحفظوا القرآن كما حفظه، ولكن أرضه كانت من أطيب الأراضي وأقبلها للزرع، فبذر فيها النصوص، فأنبتت من كل زوج كريم، و ذَلِكَ { فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) } . [3]

(1) البقرة الآية (60) .

(2) تقدم تخريجه (ص.115) .

(3) الجمعة الآية (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت