وأين تقع فتاوى ابن عباس وتفسيره واستنباطه، من فتاوى أبي هريرة وتفسيره؟ وأبو هريرة أحفظ منه، بل هو حافظ الأمة على الإطلاق يؤدي الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درسا، فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه، وهمة ابن عباس مصروفة الى التفقه والاستنباط وتفجير النصوص، وشق الأنهار منها واستخراج كنوزها. وهكذا ورثتهم من بعدهم اعتمدوا في دينهم على استنباط النصوص، لا على خيال فلسفي، ولا رأي قياسي، ولا غير ذلك من الآراء المبتدعات، لا جرم كانت الدائرة والثناء الصدق والجزاء العاجل والآجل لورثة الأنبياء التابعين لهم في الدنيا والآخرة، فإن المرء على دين خليله: قُلْ { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } [1] ، وبكل حال فهم أعلم الأمة بحديث الرسول، وسيرته ومقاصده وأحواله. ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته، بل نعني بهم كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرا وباطنا، واتباعه باطنا وظاهرا، وكذلك أهل القرآن. وأدنى خصلة في هؤلاء محبة القرآن والحديث والبحث عنهما وعن معانيهما والعمل بما علموه من موجبهما، ففقهاء الحديث أخبر بالرسول من فقهاء غيرهم، وصوفيتهم أتبع للرسول من صوفية غيرهم، وأمراؤهم أحق بالسياسة النبوية من غيرهم، وعامتهم أحق بموالاة الرسول من غيرهم. ومن المعلوم أن المعظمين للفلسفة والكلام المعتقدين لمضمونهما هم أبعد عن معرفة الحديث، وأبعد عن اتباعه من هؤلاء، هذا أمر محسوس، بل إذا كشفت أحوالهم وجدتهم من أجهل الناس بأقواله صلى الله عليه وسلم وأحواله وبواطن أموره وظواهرها، حتى لتجد كثيرا من العامة أعلم بذلك منهم، ولتجدهم لا يميزون بين ما قاله الرسول وما لم يقله، بل قد لا يفرقون بين حديث متواتر عنه، وحديث مكذوب موضوع عليه، وإنما يعتمدون في موافقته على ما يوافق قولهم. [2]
(1) آل عمران الآية (31) .
(2) نقض المنطق (ص.77-81) .