ثم قال بعد كلام رحمه الله: وليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض، والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين، كما ثبت في صحيح البخاري [1] عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن" [2] .
قلت: هذا الذي قرر ابن كثير قرره الإمام ابن تيمية.
جاء في الفتاوى: سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن رجل تفقه وعلم ما أمر الله به وما نهى عنه، ثم تزهد وترك الدنيا والمال والأهل والأولاد خائفا من كسب الحرام والشبهات، وبعث الآخرة وطلب رضا الله ورسوله، وساح في أرض الله والبلدان، فهل يجوز له أن يقطع الرحم ويسيح كما ذكر أم لا؟
فأجاب: الحمد لله وحده،"الزهد المشروع"هو ترك كل شيء لا ينفع في الدار الآخرة، وثقة القلب بما عند الله، كما في الحديث الذي في الترمذي [3] :"ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق مما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك"لأن الله تعالى يقول: لِكَيلَا { تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ } [4] فهذا صفة"القلب".
(1) 1/94/19)، ورواه أحمد (3/6) ، أبو داود (4/461-462/4267) ، النسائي (8/498-499/5051) وابن ماجة (2/1317/3980) .
(2) تفسير ابن كثير (4/156-157) .
(3) رواه الترمذي (4/493-494/2340) وابن ماجه (2/1373/4100) وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه... وعمرو بن واقد منكر الحديث. كلاهما من حديث أبي ذر.
(4) الحديد الآية (23) .