وكان عمر بهذا يعلم أن ما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي والملائكة، وما يخبره به من الغيب وما يأمر به وينهى عنه أمر زائد على قدره ومجاوز لطاقته، بل يجد بينه وبين ذلك من التفاوت ما يعجز القلب واللسان عن معرفته وتبيانه، بل كان عمر بما حصل له من المكاشفات والمخاطبة يعلم أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما أكمل منه معرفة ويقينا، وأتم صدقا وأخلاقا، وأعلم منه بقدر الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان خضوع عمر هذا الذي هو أفضل الأولياء المحدثين الملهمين المخاطبين لأبي بكر الصديق كخضوع من رأى غيره من مشاركيه في فنه أكمل منه كخضوع الأخفش لسيبويه، وزفر لأبي حنيفة، وابن وهب لمالك، ونحو ذلك، أو خضوع فقهاء المدينة لسعيد ابن المسيب وعلماء البصرة للحسن البصري وفقهاء مكة لعطاء بن أبي رباح.
وإذا كان هذا مثل عمر مع أبي بكر، لأن أبا بكر الصديق يأخذ ما يأخذه عن الرسول المعصوم عليه الصلاة والسلام الذي قد عصم أن يستقر فيما جاء به خطأ، فهو لخبرته بحال صديق النبي بهذه المثابة، وكل من كان عالما بالصحابة يعلم أن عمر رضي الله تعالى عنه كان متأدبا معظما بقلبه لأبي بكر رضي الله عنه، مشاهدا أنه أعلى منه إيمانا ويقينا، فكيف يكون حال عمر وغيره مع النبي صلى الله عليه وسلم.