الثاني:- روى مسلم في صحيحه عن طارق بن سويد الجعفي أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخمر فنهاه, وكره أن يصنعها, فقال:- إنما أصنعها للدواء فقال (( إنه ليس بدواء ولكنه داء ) )وفي صحيح مسلم عن طارق بن سويد الحضرمي قال قلت يارسول الله إن بأرضنا أعنابًا نعتصرها فنشرب منها, فقال (( لا ) )فراجعته قلت:- إنا نستشفي للمريض, قال (( إن ذلك ليس بشفاءٍ ولكنه داء ) )ويقرر الاستدلال من هذين الحديثين ما سبق, إلا أن هذا نص في الخمر ويعم غيرها من المحرمات قياسًا, الحديث الثالث:- روى أصحاب السنن عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال (( نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الدواء الخبيث ) )وجه الدلالة:- أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الدواء الخبيث والنهي يقتضي التحريم فيكون تعاطيه محرمًا, وما حرم إلا لقبحه والقبيح لا فائدة فيه وإذا انتفت الفائدة انتفى الشفاء, وروى أبو داود في السنن من حديث أبي الدرداء قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داءٍ دواءً فتداووا ولا تتداووا بحرام ) )وأخرجه أيضًا الطبراني ورجاله ثقات, وجه الدلالة:- أنه - صلى الله عليه وسلم - بين أن الدواء في المباح أما المحرم فلا دواء فيه وبيان ذلك من وجوه:-
الأول:- أن الله جل وعلا هو الذي قدر الأمراض وقدر لها الأدوية وهو المحيط بكل شيء فما أثبته فهو المستحق أن يثبت وما نفاه فهو المستحق أن ينفى قولًا وعملًا واعتقادًا.
الثاني:- إن الله جل وعلا شرع لإزالة الأمراض أسبابًا شرعية وأسبابًا طبيعية وعادية فالأسباب الشرعية مثل قراءة القرآن والأدعية وقوة التوكل ونحو ذلك, وأما الطبيعية فمثل ما يوجد عند المريض من قوة البدن التي تقاوم المرض حتى يزول, وأما الأسباب العادية فمثل الأدوية التي تركب من الأشياء المباحة فكيف تجتنب الأسباب المشروعة إلى أسباب يأثم مرتكبها إذا كان عالمًا بالحكم.