نحن على مشارف القرن الواحد و العشرين، العالم يعيش أوج تفاعلاته، أنظمة تنهار و تتساقط، و إيديولوجيات تختفي و تقبر، و في الأفق نظام دولي جديد وحيد قائم على أحادية القطب و التصور. في زحمة هذه التقلبات تحذو الحكومات الإسلامية حذو باقي الدول المتخلفة لتعتنق الليبرالية كسبيل وحيد في نظرها للخروج من أزمتها. موازاة مع هذا تنطلق ملايين الحناجر في الشارع الإسلامي مطالبة تحكيم شرع الله في السياسة و المال و كل مناحي الحياة، تطبيقا يجسد عظمة هذا الدين فكرا و ممارسة.
و إذا كان هذا الواقع هو أحد الدوافع الرئيسية إلى إختيار هذا البحث فإن شغفنا الكبير بمعرفة الصورة التي نظم بها الإسلام جباية الأموال يعتبر أهم باعث على ذلك. و كم زاد تعلقنا بالموضوع و نحن نكتشف عظمة النظام الجبائي الإسلامي سواء ما تعلق بالعدالة في التكليف أو السمو في التوظيف.
إن من الأمور التي باتت غنية عن التعريف دور الجباية في تمويل ميزانيات الدول المتقدمة و المتخلفة على حد سواء، فهي تشكل نسبة 39 % من إيرادات الدول المصنعة و 18% في الدول النامية و 15% بالنسبة للدول النفطية (1) .كما صار الاهتمام بها و عقلنتها من الأولويات في برامج الحكومات و هذا لما تضطلع به من وظائف أخرى فهي إضافة إلى كونها مصدر تمويل للميزانية، تعتبر أداة فعالة و مرنة في يد السلطة تستعملها للتدخل في ترشيد الحياة الاقتصادية و توجيه الاستثمارات عن طريق التحفيزات و المزايا الجبائية، كما أن للجباية دور اجتماعي كأداة لإعادة توزيع الدخل الوطني في المجتمع توزيعا عادلا حيث يؤخذ جزء من ثورة الأغنياء ليرد على الفقراء في أشكال عدة كالاستفادة من خدمات عامة أو عن طريق الدعم المباشر و غير ذلك.
في الإسلام، تتسع وظيفة الجباية، فهي أكثر من أنها أداة مالية اقتصادية و اجتماعية، تضطلع بوظيفة عقيدية بحتة و هذا من خلال أهم ركائزها و هي الزكاة و التي لا يكتمل إسلام المرء إلا بإيتائها، من هنا تأتي أهمية البحث في الجباية الإسلامية لما لها من اعتبار كإحدى القضايا التي تتطلب دراسة نوعية متخصصة ومركزة.
فإذا كانت الغاية من وضع أي نظام، وفي أي ميدان كان، هو إيجاد أسباب سعادة المجتمع و رفاهيته، فإن الإسلام، و التاريخ يشهد على هذا، قد أوجد شروط هده الرفاهية و وفرها للمسلمين بل و حتى لغير المسلمين يوم كان