فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 94

المطلب الأول: دور الزكاة في التحريض على التنمية الاجتماعية

إن الأثر الاجتماعي للزكاة نلمسه في مصارفها المحددة بنص الآية ستين من سورة التوبة.

الفرع الأول: الفقراء و المساكين

إن تخصيص جزء من الزكاة لهذه الفئة هو تكريس واضح لمبدأ التكافل الإجتماعي، و يمكن شرح هذا بكون الفقير و المحتاج إن سدت أمامه أبواب الكسب المشروع و امتنع القادرون و الميسورون عن إعطائه ما يلبي به حاجاته الأساسية التي تحفظ له آدميته فإنه لا محالة يضطر إلى الوسائل غير المشروعة من سطو و سرقة و نهب و تصاب شخصيته بالشوائب مما قد يؤثر على سلامة عقيدته و أخلاقه فيغدو مهشما و منبوذا داخل مجتمعه مما يولد لديه الشعور بالحقد و البغض اتجاه الأغنياء و قد تنمو عنده غريزة الإجرام و الانتقام من هذا المجتمع الذي همشه، وعوض أن يكون أداة بناء في أمته يصير أداة هدم و تدمير.

(1) سورة البقرة الآية 195.

و لا بد للإشارة من أن إعطاء الفقراء و المساكين من مال الزكاة يتعدى نطاق الصدقة البسيطة إلى حد الإغناء و هي ليست وسيلة ظرفية و مرحلية لمكافحة العوز بل حل أصيل له و هذا من خلال إيجاد ملاك جدد و تحويل عدد هام من المحتاجين إلى ميسورين يتكفلون بدورهم بالفقراء و المساكين و غيرهم من مستحقي الزكاة و الإغناء بالصدقات مأثور عن الصحابة الكرام، و هذا عمر رضي الله عنه يؤصل حد الكفاية بالغنى فيقول"إذا أعطيتم فأغنوا" (1) ، و كذلك بقوله بتكرار الصدقة على الفقير و لو لاح على أحدهم مائة من الإبل، كما أن الأحناف يؤصلون حد الكفاية بالغنى فيقول محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة"على الإمام أن يتقي الله في صرف الأموال إلى المصارف، فلا يدع فقيرا إلا أعطاه من الصدقات حتى يغنيه و عياله و إن احتاج بعض المسلمين و ليس في بيت المال من الصدقات شيء، أعطى الإمام ما يحتاجون إليه من بيت مال الخراج" (2) ، وأصل خامس الخلفاء الراشدين حد الكفاية بقوله"إنه لابد للمرء المسلم من مسكن يسكنه وخادم يكفيه مهنته و فرس يجاهد عليه عدوه و من أن يكون له أثاث في بيته، نعم فاقضوا عنه إنه غرام (3) و قوله كذلك رضي الله عنه"أنظر كل بكر ليس له مال فشاء أن تزوجه، فزوجه و أصدق عنه" (4) ."

إن إعطاء المحتاج الزكاة حتى حد الغنى معناه تحويله إلى مالك جديد مما يفتح له أفاقا جديدة في الإستثمار عوض استهلاك كل ماله، فلو أعطي حق سد رمقه فقط لاستهلكه وراح ينتظر ما يجود عليه الآخرون من صدقة و هذا ما توصل إليه الفكر الاقتصادي المعاصر من خلال نظرية"كينز"القائلة بأن ذوي الدخل الضعيف هم أكثر ميلا للاستهلاك من ذوي الدخل المرتفع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت