كما أشار القونوي إلى الفرق بين ظاهر الحال، ومقتضى الحال، وفرق بين نظرة النحاة إلى السياق، ونظرة البلاغيين إليه، وأن مقتضى الحال يراعى في القرآن الكريم، كما أشار إلى أن سيبويه لم يغفل عن أسرار النظم القرآنى، ولكنه لم ينبه إلى بعض هذه الأسرار لأنه ليس من وظائف النحاة البحث في مقتضى الحال. فهم يبحثون في الكلام من جهة تصريفه وإعرابه، وأحوال التراكيب من التقديم، والتأخير، والذكر والحذف، والتعريف والتنكير من حيث الجواز والامتناع لا من ناحية كونها مطلبًا بيانيًا يقتضيه المقام، ويدعو إليه الحال. وكلام القونوي في مجمله يتفق مع ما ذكره البلاغيون وإن اختلف في تفصيله. فالجانب التطبيقى والتحليلى لأسرار السياق، والنظم عنده واضح كل الوضوح علمًا بأن الإمام القونوي قد ألف حاشيته في عصر الحواشى، والتقارير، وهو العصر الذي ضعفت فيه الملكات، واختفت المواهب في التأليف، والتصنيف لكن عصره لم يحرم من أمثاله الذين جدوا واجتهدوا في إحياء طريقة صاحب الكشاف في دراسة النظم القرآنى، والكشف عن أسراره البلاغية، وسيتضح ذلك عند دراسة الأسلوب، والتفنن والالتفات، وتلوين الخطاب، وغير ذلك من مسائل علم المعاني في حاشيته [1] .
وفى إيجاز أشير إلى خصائص النظم القرآنى عند القونوي.
1 -يرى القونوي أن القرآن معجز بنظمه وصحة معاينة وتوالى فصاحة ألفاظه.
2 -ويرى أن إعجازه من جهة معناه بمطابقته لمقتضى الحال، وإعجاز اللفظ بكونه في المرتبة العليا من البلاغة.
3 -ويرى أن القرآن سواء في حد الإعجاز، وأن النظم القرآنى يتميز بخصائص وأوصاف فريدة امتاز بها كلام الحق من كلام البشر.
4 -ويرى من خصائص النظم القرآنى تجاوب النظم، وجزالة النظم، والتشابه اللفظى الذي يدخل في النظم الأعلى، وأن النظم قد يتغير لما هو أبلغ ليطابق مقتضى الحال التي هى سر البلاغة وباعث البراعة، وهى التي تراعى في القرآن.
(1) ينظر في بحث مقتضى الحال والنظم في حاشية القونوى هذه المواضع، وهى من أبرز المواضع التى تمثل اتجاهه ومنهجه في الكشف عن أسرار النظم، ومدى مطابقته لمقتضى الحال 1/ 76، 1/ 148، 2/ 62، 257، 3/ 122، 1/ 7، 40، 12/ 130، 13/ 80، 14/ 90، 14/ 127، 141.