فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 681

في أذنيه، وهذا - وإن كان محالًا - لكن المراد التصوير والتمثيل، وهذه مبالغة لا فوقها مبالغة .... وقيل في قوله"يجعلون"مبالغة في فرط حيرتهم من وجوه: أحدها: نسبة الجعل إلى كل الأصابع، وهو منسوب إلى البعض منها، وهو الأنامل وثانيها: من حيث الإبهام في الأصابع، والمعهود إصبع مخصوص، وهو السبابة فكأنهم في فرط دهشتهم يدخلون أى أصبع كانت في آذانهم، ولا يسلكون المسلك المعهود. وثالثها: وضع ذلك الجعل موضع الإدخال؛ فإن جعل شئ في شئ أدل على إحاطة الثانى بالأول من إدخاله فيه، وهذه دقايق لم ينتبهوا لها ... ثم هنا احتمالات ثلاثة مجاز لغوى ذكر الكل وإرادة الجزء كما في كتب المعاني، أو مجاز عقلى بإسناد ما للبعض إلى الكل، ومجاز في الحذف أى يجعلون أنامل أصابعهم، وخير الأمور أوساطها إذ المبالغة إنما تتأتى إذ كانت الأصابع باقية على حقيقتها، وقد صرحوا بأن المجاز العقلى أبلغ من المجاز اللغوى، وإن كانت المبالغة متحققة في المجاز اللغوى المرسل باعتبار أن تبادر الذهن إلى المعنى الحقيقى قبل النظر إلى القرينة، ومن هنا قال أهل البيان: المجاز أبلغ من الحقيقة، وهنا يتبادر الذهن إلى الأصابع، وأنهم جعلوها في آذانهم قبل الالتفات إلى القرينة المانعة وكفى هذا في إفادة المبالغة، وقول بعض أهل المعاني: إن المجاز المرسل لا يفيد مبالغة كالاستعارة غير مسلم عند صاحب الكشاف كما قيل أو مأول بأنه لا يفيد البمالغة كإفادتها الاستعارة، بل يفيدها دون إفادة الاستعارة" [1] ."

والإمام القونوي بعد أن ذكر هذا التحليل الممتع، والذى يكشف عن سر المجاز في الآية الكريمة، ويصور حال هؤلاء المنافقين في فزعهم وخشيتهم من الصواعق المهلكة،"وهم يعالجون وضع أصابعهم كاملة في آذانهم، وأن هذه الصورة المرعوبة الطائشة تطوى وراءها الإحساس بالهول، وشئ من ذلك نراه في قولهم قطعت أصابع فلان، وهم يريدون أنملة من أنامله، ولكنهم يعبرون بالإصبع يفيدون التهويل والتفظيع، وهكذا يقولون: قطع"

(1) ينظر حاشية القونوى 2/ 67، 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت