السارق، وهم يريدون يده، وإنما يوهمون بإيقاع الفعل عليه أن القطع وقع على جملته [1] . والإمام القونوي يوضح أن في الآية احتمالات ثلاثة: كونها مجاز مرسل علاقته الكلية: بأن ذكر الكل وأراد الجزء [2] . او مجاز عقلى بإسناد ما للبعض إلى الكل، أو مجاز في الحذف أن يجعلون أنامل أصابعهم، وقد اختار المجاز العقلى لأنه أبلغ من المجاز اللغوى؛ كما أن المبالغة إنما تتأتى إذا كانت الأصابع باقية على حقيقتها، وهنا يتبادر الذهن إلى الأصابع، وأنهم جعلوها في آذانهم قبل الالتفات إلى القرينة المانعة. ويشير إلى ما ذكره بعض البلاغيين من أن المجاز المرسل لا يفيد مبالغة كالاستعارة وأن ذلك مأول عند صاحب الكشاف بأنه لا يفيد المبالغة كإفادة الاستعارة بل إفادته دون إفادتها. وكلام الإمام القونوي في جملته كلام سديد، وهو ينظر إلى المجاز العقلى من ناحية أثره في السياق وما وراءه من دلالات تزيد المعنى بلاغة، ودقة تصوير يؤثر في النفس، والبلاغيون وإن ذكروا أن المجاز المرسل يعين على توسيع اللغة، والافتنان في التعبير، كما أنه يساعد الأديب على إيراد المعنى بصور مختلفة [3] . إلا أنهم اعتبروه أقل أنواع المجاز بلاغة.
أما عن المجاز العقلى فهو دقيق المسلك، وقد أشار الإمام عبد القاهر إلى بلاغته في دلائل الإعجاز فقال: اعلم أن طريق المجاز والاتساع في الذي ذكرناه قبل أنك ذكرت الكلمة وأنت لا تريد معناها، ولكن تريد معنى ما هو رِدف له أو شبيه فتجوزت بذلك في ذات الكلمة وفى اللفظ نفسه. وإذ قد عرفت ذلك فاعلم أن في الكلام مجازًا على غير هذا السبيل، وهو أن يكون معناها مقصودًا في نفسه ومرادًا من غير توريه ولا تعريض. والمثال فيه قولهم:"نهارك صائم وليلك قائم".. وقوله تعالى: {فما ربحت تجارتهم} فأنت
(1) ينظر التصوير البيانى ص 364 ط مكتبة وهبه (1418) هـ.
(2) ينظر الإيضاح 3/ 83، وبحوث في البيان للأستاذ الدكتور/ محمود السيد شيخون (بحث المجاز المرسل ص 6) .
(3) ينظر علم البيان للأستاذ الدكتور/ بدوى طبانة ص 165 ط الأنجلو ط رابعة (1397) هـ