تورية ولا تعريض كما ذكر الإمام عبد القاهر. وهذا لا يعنى أن المجاز المرسل لا بلاغة فيه! فبلاغة المجاز المرسل تأتى بعد بلاغة الاستعارة، والمجاز العقلى. كما وضح الإمام القونوي أن ما ذكره صاحب الكشاف حول بلاغة المجاز المرسل ومأول بأنه لا يفيد المبالغة كما تفيدها الاستعارة. ويلاحظ إشارته إلى علاقة الدالية والمدلولية في الآية (282 من سورة البقرة) وهى إشارة لم يسبق إليها!.
كما نلحظ إشارته إلى جريان المجاز العقلى في المفعول والإضافة كما يجرى في الإسناد، وكلامه حول هذا الموضوع يتفق وينسجم مع كلام البلاغيين كما سبق.
وفيما يتصل بطريقة تحليل الآيات، والكشف عن أسرارها اتضح كما سبق أن القونوي يسير على طريقة صاحب الكشاف والإمام عبد القاهر في الكشف عن أسرار النظم. والمواضع التي سبقت الإشارة إليها في حاشيته هى جزء من أكثر من مائة وخمسين موضعًا في حاشيته أشار فيها إلى المجاز العقلى، وكلامه حولها لا تخرج عما قرره البلاغيون. بل هو في كثير منها يتابع صاحب الكشاف، والبيضاوى، والخفاجى، وينقل عنهم [1] .
أما فيما يتعلق بذكر القونوي لاحتمالات عديدة في توجيه الأية، فهو كما سبق ينقل عن البلاغيين من المفسرين ما ذكروه ثم يقوم بالتعقيب حين يتطلب المقام ذلك او يكتفى بالمتابعة دون تعقيب إذا وجد أن ما ذكروه يتفق مع السياق والمقام فمثلًا في قوله تعالى في شأن المنافقين: { ... يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ المَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} ذكر القونوي أن في الآية ثلاثة احتمالات: كونها مجاز عقلى أو مجاز مرسل أو مجاز بالحذف، وهذا ما ذكره البلاغيون من المفسرين قبله مثل الشهاب الخفاجى في حاشيته [2] .
(1) من هذه المواضع 1/ 92، 183، 270، 271، 2/ 36،50، 145، 162، 3/ 41، 72، 100، 258، 293، 320، 4/ 45، 196، 5/ 50، 141، 5/ 149، 273، 331، 383، 6/ 24، 105، 109، 165، 272، 7/ 39، 74، 82، 185، 222، 308، 343، 8/ 58، 84، 256.
(2) ينظر حاشية الشهاب 1/ 399.