وهذا يؤكد ما سبق من أن عدم إشارة البيضاوي إلى الحصر في الآية لا تعنى متابعته للسكاكى لأنه غالبًا ما يسكت عما ذكره صاحب الكشاف على سبيل التقرير والمتابعة [1] ، ولا يخفى أن تفسيره مستخلص من صاحب الكشاف مع استمداده من الرازى والراغب الاصفهانى وهو أيضًا قلما يخالف صاحب الكشاف فيما يتصل بالبلاغة القرآنية بل ينقل عنه على سبيل المتابعة والتقرير في المسائل البلاغية، وما يتصل بأسرار النظم القرآنى!
وعن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلى للتقوى دون التخصيص يقول في قوله تعالى: { ... فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [2] ." وتقديم المبتدأ على الخبر لتقوية الحكم دون الحصر إذ لا يناسب هنا".
وعن تقديم المسند إليه للتقوى أو التخصيص يقول في قوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ} [3] .
"وتقديم المرفوع على الفعل لمجرد التقوى كما ذهب إليه صاحب المفتاح أو للتخصيص كما اختار صاحب الكشاف، والتفصيل في شرح التلخيص في بحث الإنشاء" [4] [5] .
وكما سبق أن تقوية الحكم وتخصيصه يتحدد معنى كل منهما تبعًا للسياق فلقد ذكر البلاغيون أن تقوية الحكم تأتى في المقامات التي تدعو إلى ذلك كمقامات المدح، والافتخار، والإنكار فهى تحتاج إلى التأكيد لتقوية هذه المعاني لتأنس بها النفس. والإمام القونوي هنا يتابع الشيخان عبد القاهر والزمخشري فيما ذهبا إليه من أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلى في سياق الإيجاب يفيد التقوى والتخصيص [6] .
(1) إلا فيما يتصل بالاعتزال وآراء المعتزلة فلقد رفضه الإمام البيضاوى وقرر في تفسيره الأدلة على أصول أهل السنة كما سبق في التمهيد.
(2) من الآية (22) من سورة البقرة.
(3) الآية (42) من سورة يونس.
(4) ينظر المطول ص 228، 230.
(5) ينظر حاشيته القونوى 7/ 145.
(6) ينظر دلائل الإعجاز ص 128، 129، والكشاف 4/ 643، 644.