وذلك مما يعين على استماع السامعين، ويدفع سآمة الإطالة عنهم فبلاغة القرآن لا تنحصر في أحوال تراكيبه اللفظية، بل تتجاوز إلى الكيفيات التي تؤدى بها التراكيب!!
وعن التفنن في قوله تعالى: {قَاتِلُوَهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [1] .
"والتعبير بـ"الصدور"أولًا"وبالقلوب"ثانيا مع أن القلوب في الصدور فشفاؤها شفاؤها فمن أفانين البلاغة، وأساليب الفصاحة" [2] . وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ} [3] .
"قوله (ونحن نتربص بكم) تقديم المسند إليه على الخبر الفعلى إما للحصر فحينئذ تغيير الأسلوب للتفنن الذي من شعب البلاغة، أو لتقوية الحكم ..." [4] .
وفى قوله تعالى في شان إخوة يوسف عليه السلام: {قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ المَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [5] .
"والصواع معناه: مشربة الملك. والتعبير أولًا بالسقاية ثم التعبير بالصواع إما للتفنن في الكلام الذي هو عادة العرب العرباء في الإفهام، أو للتنبيه على الاسم والوصف؛ فإن السقاية وصف الصواع ..." [6] .
(1) الآيتان (14، 15) من سورة التوبة.
(2) ينظر حاشية القونوى 7/ 16.
(3) الآية (52) من سورة التوبة.
(4) ينظر حاشية القونوى 7/ 49.
(5) الأيتان (71، 72) من سورة يوسف.
(6) ينظر حاشية القونوى 7/ 357.