فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 681

من ذلك قوله تعالى في شأن المنافقين: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} (البقرة: 14)

"ففى خطابهم لشياطينهم أوردوا الجملة الأسمية مع حرف التحقيق دفعًا لما خطر ببالهم من مخالطة المسلمين، والموافقة في أحكام المخلصين، وتركهم اليهودية باطنًا كما تركوها ظاهرًاَ، فأوردوا تلك الجملة دفعًا لذلك) كذلك قوله"إنما نحن مستهزءون"أوردوا الجملة الاسمية لتأكيد ثباتهم على اليهودية أى نحن ثابتون على دينكم لم نتغير عنه، والاستهزاء بالمؤمنين صفة ثابتة فينا ... فهل يقال إن إيراد الجملة الاسمية هنا لرعاية الفاصلة أو لسر بلاغي آخر يقتضيه السباق والسياق [1] وقد أكدوا الكلام بـ إن، واسمية الجملة، والقصر وهو تأكيد على تأكيد وذلك دفعًا لشك شياطينهم الذين ظنوا أنهم آمنوا وذلك لإتقانهم في النفاق."

ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (البقرة: 130)

فلما كان قوله تعالى: (وإنه في الآخرة لمن الصالحين) في مقام التعليل للاتباع ولسفاهة المعرض أوثر الجملة الأسمية مع إن المفيد للتأكيد إذ شان التعليل ذلك، وأيضًا فيه تنبيه على استمراره على الصلاح في الآخرة. وهذا تحليل القونوي للآية ولم يقل هنا برعاية الفاصلة وفى قوله تعالى: { ... وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (البقرة: 143) . وإيراد الناس باللام المفيدة للاستغراق للتنبيه على عموم رحمته ورأفته والمخاطبون يدخلون دخولًا أوليًا وهذه المواضع من حاشية القونوي. ولقد نقلت تحليله للآيات حتى يتضح لنا أن التعبير بالجملة الأسمية يأتى لأسرار بلاغية يقتضيها المقام ولكن القونوي قد خالف ذلك في بعض المواضع وقال برعاية الفاصلة وقد اتضح وجه الصواب في ذلك، وما ينبغى أن يحمل عليه النظم الجليل.

ويشير إلى سر آخر للتعبير بالجملة الاسمية في قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [2] . فيقول:

"الظاهر أن يقول (ويدخل من يشاء في الضلال بعدم التوفيق والنصرة) لكن عدل عنه إلى ما ذكر لإشعاره بأنهم ظالمون أنفسهم يصرف إرادتهم الجزئية إلى الشر والضلال، فحرموا عن رحمة الملك المتعال، وأن ليس لهم خلاص من ذلك الضلال، وما يترتب عليه من"

(1) ينظر الكشاف 1/ 104، وحاشية الشهاب 1/ 344.

(2) الآية (8) من سورة الشورى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت