"... واختير الماضى والمستقبل في (عصوا) و (يعتدون) لذكر كان في الثانى دون الأول، وأريد الاستمرار في الاعتداء، ولزوم منه الاستمرار في العصيان إذ المراد الاعتداء في العصيان، وفيه المبالغة والبراعة والاعتداء أصل معناه: تجاوز الحد ...." [1] .
وقوله تعالى في شأن أهل الكتاب: { ... ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [2] . يقول:"قوله (ويقولون على الله الكذب) صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية لاستغرابه، وكمال شناعته أو للاستمرار" [3] .
وفى قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَباًّ مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ ... } [4] .
يقول:"قوله (نخرج منه) عدل إلى المضارع هنا للاستمرار ولحكاية الحال الماضية استحضارًا للصورة البديعة الدالة على كمال القدرة، وهذا وإن أمكن فيما مر أيضًا لكن النكتة مبنية على الإدارة. والظاهر أن صيغ الماضى إما للتغليب، أو لتنزيل المنتظر منزلة الواقع ...." [5] .
ويلاحظ أن الإمام القونوي لا يكتفى بالإشارة إلى غرض الاستمرار في المضارع أو حكاية الحال الماضية كما ذكر البلاغيون، بل يشير إلى أسرار أخرى استنبطها من السياق كاستحضار الحال، والمبالغة، والتغليب، وتنزيل المنتظر منزلة الواقع ... الخ.
ويقول في قوله تعالى [6] : {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} "قوله (ولو يعجل الله) اختير المضارع لقصد استمرار الفعل فيما مضى وقتًا فوقتًا. يعنى أن امتناع إهلاكهم بطريق الاستيصال بسبب امتناع استمرار التعجيل، فإن المضارع يفيد الاستمرار، ودخول"لو"عليه يفيد امتناع الاستمرار، ويجوز أن يكون المعنى أن امتناع الإهلاك بسبب استمرار امتناع التعجيل هذا المعنى أنسب بالمقام وأوفى بالمرام [7] . وعن اختيار صيغة الفعل"
(1) ينظر حاشية القونوى 3/ 105.
(2) من الآية (75) من سورة آل عمران.
(3) ينظر حاشية القونوى 5/ 74.
(4) من الآية (99) من سورة الأنعام.
(5) ينظر حاشية القونوى 6/ 101.
(6) الآية (11) من سورة يونس.
(7) ينظر حاشية القونوى 7/ 115.