فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 681

وفى هذه الآية نتفق مع القونوي فيما ذكره من أن صيغة المضارع للاستمرار .... الخ"وبالنظر في آيات السورة نجد أن صيغة المضارع قد جاءت في أكثر من موضع لأسرار بلاغية غير رعاية الفاصلة من ذلك قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} (الروم: 25) ، وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} (الروم: 48) ففى هاتين الآيتين لم يكن التعبير بالمضارع لرعاية الفاصلة بل لأسرار بلاغية تختلف باختلاف السياق والمقام، ففى الآية الأولى (ومن آياته .... الآية) الحديث هنا عن قيام الساعة، وتغير نظام الكون وتبدله من حال إلى حال، وهذا التحول يناسبه التعبير بصيغة المضارع في قيام السماء والأرض، وخروج الناس من الأرض، فالموقف كل حركة واضطراب. وفى قوله تعالى: (الله الذي يرسل الرياح ... الآية) الحديث هنا عن إرسال الرياح لإثارة السحاب وبسطه في السماء وجعله كسفًا، وخروج الودق من خلاله، واستبشار العباد، وكل هذه مراحل متجددة وحالات غير ثابتة فناسب المقام هنا التعبير بصيغة المضارع للدلالة على تجدد هذه الآيات الكونية ... فالآية مفعمة بالحركة والانتقال من مشهد إلى مشهد، وهذا ما يناسبه التعبير بصيغة المضارع، والهدف أن يعيش المؤمن في رحاب هذه الآية الكونية وهو يشاهد نزول المطر من السماء، وما في ذلك من حركة ودلالة على قدرة الله."

وقوله تعالى في شأن أتباع إبليس: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [1] . يقول [2] :

"والصلتان تدلان على الدوام، لكن الجملة الفعلية التي فعلها مضارع تدل على الدوام التجددى للإشارة إلى أنه ينبغى للمؤمن أن يترقى في العرفان والإيقان بحيث كلما وضع عصاه بداله سفر في الإتقان إلى أن يخرج الروح عن الأبدان، وهذا غير جار في الشك وارتياب الأذهان"، ومن خلال ما سبق يتضح أن الإمام القونوي يتفق مع البلاغيين في أغراض كون المسند اسمًا أو فعلًا .. ولكن لا يكتفى بالأغراض التي ذكرها البلاغيون، ونلمح إشارته إلى أغراض أخرى لم يسبق إليها، ولقد حرص الإمام القونوي على أن يظهر أثر التعبير بالاسم والجملة الاسمية في النظم القرآنى كما سبق في الآيات (7، 130،

(1) الآية (21) من سورة سبأ.

(2) ينظر حاشية القونوى 11/ 185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت