"... يعنى أن القائل سبحانه وتعالى لأن المعنى قل عنى، ولم يكن شاكًا في إيمانهم لاستحالته منه تعالى بل صدر الشرطية بإن تهكمًا بهم أو خطابًا معهم على حسب ظنهم فإنهم ادعوا الإيمان للإشارة إلى قياس استدل فيه ببطلان اللازم على بطلان الملزوم ..." [1]
وعن مجئ"إن"الشرطية لإرادة الاستمرار يقول في قوله تعالى خطابًا للنبى (- صلى الله عليه وسلم -) : {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَاتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِينَ} [2] .
"قوله (وإن كان كبر عليك) كلمة الشك هنا مع أن مشقته عليه السلام حين إعراضهم متحققة لإرادة الاستمرار، وأن وقوع تلك المشقة في نفس الأمر بالنسبة إلى المستقبل محتمل وإن كان مجزومًا في الحالة الحاضرة كما تفيده كلمة"كان"في"كبر"كأنه قيل إن بقيت المشقة المذكورة كما أشير إليه في قوله تعالى: {إن كنتم مؤمنين} في {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [3] ."
وقوله تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [4] يقول:"... كلمة الشك في مثله ليس للشك في إيمانهم بل للتهييج والتحريك إلى امتثال ما ذكر ... ." [5] .
ولقد أشار صاحب الكشاف إلى سر التعبير بـ"إن الشرطية"في الآية الأخيرة فقال:"وقوله"إن كنتم مؤمنين"فيه تهييج لهم ليتعظوا، وتذكير بما يوجب ترك العود، وهو اتصافهم بالإيمان الصاد عن كل مقبح" [6] .
ويلاحظ في الآيات السابقة حرص القونوي على إظهار ما وراء التعبير بـ"إن الشرطية"من أسرار تختلف باختلاف السياق والمقام فليست"إن"مقصورة في الاستعمال على الشرط
(1) ينظر حاشية القونوى 3/ 179.
(2) الآية (35) من سورة الأنعام.
(3) ينظر حاشية القونوى 6/ 36.
(4) الآية (17) من سورة النور.
(5) ينظر حاشيته 10/ 60.
(6) ينظر الكشاف 3/ 225.