ويقول في قوله تعالى على لسان صالح عليه السلام: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} [1] .
"وحرف الشك كلمة"إن"وأصلها أنها تفيد أن المتكلم متردد في الحكم غير جازم في الوقوع واللاوقوع، وهنا المتكلم وهو عليه السلام غير شاك في كونه على بينة بل جازم به، فالمقام مقام"إذا"لكنه من كلام المنصف. فساق الكلام على زعم المخاطبين الجاحدين فكأنه قال قدروا أنى على بينة من ربى، وأنى رسول على الحقيقة، فعلى هذا التقدير والغرض إن عصبت ربى في تبليغ الرسالة، وتركت التبليغ فمن ينصرنى" [2] .
وكلام القونوي في هذه الآية ينقسم إلى قسمين: الأول: مجئ حرف الشك مع أن صالح عليه السلام على يقين وبينة من ربه وذلك لأن خطابه للمشركين، وهو في ذلك يتفق مع صاحب الكشاف حيث يقول:"قيل:"إن كنت على بينة من ربى"بحرف الشك وكان على يقين أنه على بينة، لأن خطابه للجاحدين، فكأنه قال: قدروا أنى على بينة من ربى، وأنى نبى على الحقيقة، وأنظروا إن تابعتكم وعصيت ربى في أوامره فمن يمنعنى من عذاب الله" [3] .
ويلاحظ مدى التوافق بين كلام صاحب الكشاف وكلام القونوي بل إن القونوي قد نقل بعض كلامه في هذا القسم.
أما عن القسم الثانى من كلام القونوي، وهو ما ذكر فيه أن المقام مقام"إذا"لكنه من كلام المنصف، وهذا جهد خاص بالقونوي والكلام المنصف ضرب من ضروب الاستدراج: وهو عند أهل البلاغة والبيان: استمالة المخاطب بما يؤثر فيه، ويأنس إليه، أو بما يخوفه، ويرغبه قبل أن يفاجئه المخاطب بما يطلب منه" [4] ."
(1) الآية (63) من سورة هود.
(2) ينظر حاشية القونوى 7/ 246.
(3) ينظر الكشاف 2/ 385.
(4) ينظر الطراز 2/ 281 والمثل السائر 2/ 64 وغيرهما من كتب البلاغة.