وأما مثل قوله تعالى {إِن يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [1] . فبالنظر إلى نفس التبديل، فإن هناك مقتضى الحال، فعلم من كلام الشيخين (الزمخشري والبيضاوى) أن"إذا"قد يكون لتحقيق ما فهم من الكلام لا لنفس الكلام، فاحفظ هذا، فإن هذه القاعدة لم تذكر في كتب البلاغة لكن أخره لأن فيه نوع تكلف وتعقيد، ولو قيل كلمة"إذا"بمعنى"إن"لم يبعد" [2] ."
وهذا الموضع الأخير الذي أشار إليه الإمام القونوي يكاد يكون الموضع الوحيد الذي يمثل ما أضافه إلى بحث "تقييد الفعل بـ"إذا"الشرطية" فيلاحظ في المواضع السابقة عليه أنه لم يضف إلى ما ذكره البلاغيون شيئًا، وكان من المفترض أن يلقى هذا المبحث نفس العناية التي لاقاها مبحث "تقييد الفعل بـ"إن"الشرطية نظرًا لما ينطوى عليه من أسرار بلاغية لا تقل في أهميتها عن المبحث السابق، وهذا ما أكده بنفسه حين ذكر في الموضع الأخير أن"إذا"اختيرت في هذا المقام لموافقتها لمقتضى الحال، ولأنها مقتضى البلاغة، فوراء التقييد بـ"إذا"الشرطية أسرار تخدم النظم القرآنى، ولكن فيما يبدو أن الإمام القونوي تابع البيضاوي في كثير من المواضع في هذا المبحث ولم يضف إلى كلامه شيئًا إلا في الموضع الأخير، وهذا الموضع من إضافات القونوي واستنباطاته من كلام الشيخين (الزمخشري، والبيضاوى) فلقد ذكر في تعقيبه على البيضاوي أن ظاهر الحال يقتضى أن يقال "إن شئنا"كما في قوله"إن يشأ يذهبكم" ولكن مقتضى الحال والبلاغة يقتضى"إذا"لتحقق القدرة والقوة الداعية إلى ذلك التبديل لإصرارهم على المعاصى أما قوله "إن يشأ يذهبكم" فبالنظر إلى نفس التبديل فعلم من كلام الشيخين أن"إذا"قد يكون لتحقيق ما فهم من الكلام لا لنفس الكلام، وهذه اللفتة الدقيقة من الإمام القونوي لم يسبق إليها بل هى مما استخلصه، واستنتجه من كلام الزمخشري، والبيضاوى؛ ولذلك أشار إلى أنها لم تذكر في كتب البلاغة ويبدو لى أن الإمام القونوي يقصد بقوله "أن"إذا"قد يكون لتحقيق ما فهم من الكلام لا لنفس الكلام" أى أن"إذا"تدل على أن الشئ في متناول القدرة وهو أمر محسوم وإن لم يقع هذا الشئ، فباعتبار أنه مقدور عليه في أى وقت يعتبر في حكم الواقع الذي لا يحتمل الشك، ومن هنا كان الأنسب التعبير بـ"إذا"على أن الآية لو قيل فيها أن"إذا"وضعت مكان"إن"لم يكن بعيدًا بل هو ظاهر عبارة صاحب الكشاف حيث يقول: "قوله"وإذا شئنا"أهلكناهم و (بدلنا أمثالهم) في شدة الأمر
(1) الآية (16) من سورة فاطر.
(2) ينظر حاشية القونوى 13/ 345.